هذا القيد الذي أتحدث عنه لا يولد من الخوف، بل من الأخلاق؛ من عمقِ داخلي بوجوبه ونفاذه؛ والذي ينتج عنه التزام كامل بإجراءاته عليك وعلى كيفية ظهوره، فقد ينتج عنه تأجيل لقولك، وتخفيف لحدّتك، وتُعيد منه صياغة اعتراضك ألف مرة حتى يذوب! ليس لأنك عاجز، بل لأنك لا تريد أن تهتز صورة الالتزام التي قيدت نفسك بها لذاتك.
المفارقة أن هذا النوع من القيود لا يُشعرك بالألم فوراً! بل على العكس، يمنحك شعوراً ناعماً بالرضا: أنك كنت مهذباً، راقياً، متفهماً، وملتزماً للذي بداخلك؛ لكن هذا الرضا قصير العمر، لأن النفس لا تُجيد الصبر الطويل على التنازل غير المرئي، ومع الوقت، يتحول القيد إلى ثِقل، ثم إلى تعب، ثم إلى سؤال داخلي صامت: إلى متى هذا الصبر؟
حين تقيّد نفسك تقديراً، فأنت لا تُنقِص من نفسك، بل تُنقِص من مساحتك، لأنك تضعه في موضع لا يُناقش، وتضع نفسك في موضع المراعاة الدائمة؛ وهنا يبدأ الخلل! ليس لأن ألزمت نفسك بما لا تستطيع، بل لأنك جعلت العلاقة غير متوازنة دون أن تشعر، فالاحترام، حين يتحول إلى صمت دائم، يفقد معناه، ويصير عبئاً أخلاقياً، خصوصاً إن لم تكن تعي محيط هذا الالتزام ومدى القوة التي ستحتاجها لتفي بقيدك!
الخطورة الحقيقية هنا بأنك بلا خصم، أو ضغط، ولا أحد يجبرك؛ فأنت القاضي والجلاد، وأنت من تراجع كلماتك قبل أن تُقال، وتجلد نيتك قبل أن تظهر؛ وحتى غضبك يصبح مؤجلاً، إلى أن تصل إلى نفضة لا تستطيع أن تتحكم بها.
التقدير قيمة عظيمة، لكنه لا يجب أن يكون قيداً عن قرب، والاحترام لا يعني أن تختفي، ولا أن تتحامل على ذاتك وحدك؛ أحياناً، أكثر أشكال النضج هو أن تُخفف هذا القيد، لا لأنك تغيّرت، بل لأنك فهمت: أن احترامك لنفسك ليس خيانة لأحد؛ فقد تكتشف في النهاية أن أكثر من قسا عليك، هو أنت!
[email protected]



