ومع كون الخيال نافذةً للابتكار، إلا أنه يحمل في طياته جانبًا آخر لا مفر من مواجهته. فالإفراط في الانكفاء على الذات وتحويل الخيال إلى ملجأ دائم قد يحوّله إلى وسيلة للهروب من الواقع وتجنّب مواجهته. فالخيال حين يكون مرتبطًا بالعمل يصبح قوة دافعة، أما حين ينفصل تمامًا عن الواقع فقد يتحول إلى مساحة يعيش فيها الإنسان بعيدًا عن مسؤولياته اليومية.
عندما يعجز الإنسان عن تقبّل واقعه، قد يلجأ إلى تشييد قلاعٍ من الأوهام والخيالات؛ بحثًا عن شعور مؤقت بالراحة والرضا. وهذا الانغماس المفرط في الخيال لا يحل المشكلات، بل قد يضعف صلة الإنسان بحياته الحقيقية، ويجعله يؤجل المواجهة بدل البحث عن حلول واقعية. ومن هنا تظهر أهمية التوازن بين أن نحلم بما نريد، وأن نعمل في الوقت نفسه على تحويل تلك الأحلام إلى خطوات ممكنة.
ورغم تلك المخاطر، يظل الخيال أحد أهم ضرورات الحياة البشرية ومحركات النهضة. فبدونه، يتجمد الإنسان في حاضره؛ فمن منظور الماضي، هو الأداة التي تمكّننا من استرجاع العِبر والدروس التاريخية وإعادة قراءتها، أما من منظور المستقبل، فهو الوقود الذي يدفعنا للمضي قدمًا. فلا يمكن بناء فكرة جديدة، أو تطوير تقنية، أو تحقيق طموح، لم يولد أولًا كتصور في خيال صاحبه.
إن الخيال، في نهاية المطاف، طاقة متدفقة، وحبل ممدود بين الإبداع والضياع. والطريقة المثلى لاستثمار هذه الهبة تكمن في «عقلنة الخيال» ورسم حدود واضحة له، بحيث يكون خيالًا موجّهًا لخدمة الواقع، لا بديلًا عنه.
وتلخيصًا لهذه الجدلية، يصح أن نقول: إن الخيال كالوقت؛ قيمته الحقيقية لا تظهر في مجرد امتلاكه، وإنما في الطريقة التي نستخدمه بها. فإذا قاده العقل ووجّهته الإرادة، أصبح طريقًا إلى الإبداع والإنجاز، وإذا تركناه بلا هدف، فقد يتحول إلى مساحة تستنزف الوقت والطاقة.
@hebatullah224



