تشير البيانات التي وردت في تقرير معهد رويترز للصحافة إلى أن ميزانية الدعم السنوية للصحافة من «USAID» كانت تبلغ حوالي 268 مليون دولار، وهو ما يمثّل نحو 0.004٪ من الميزانية الاتحادية الأمريكية، ومن بين الأمثلة الواضحة في التقرير، ما حدث مع موقع «Voz Pública» في السلفادور، الذي كان يعتمد على تمويل «USAID» بنسبة تصل إلى 70٪ من ميزانيته. فبعد تجميد التمويل، اضطر الفريق إلى تسريح الصحفيين وتقليص نشاطات التحقيق والتحقق من الحقائق بشكل كبير.
لكن الأرقام وحدها لا تروي القصة كاملة. في العمق، يكشف هذا القرار عن إشكالية أكبر في فهم دور الصحافة وعلاقات التمويل بها. فالمؤسسة الصحفية التي تعتمد في بقائها على أموال قادمة من عواصم أجنبية تصبح بطبيعة الحال مرتهنة لما يتغير في الأجندات السياسية والاقتصادية لتلك الجهات.
حين تتبدل أولويات الإدارة في واشنطن أو يتغير مزاج الرأي العام الأمريكي. هنا يظهر الفرق الجوهري بين الصحافة الحقيقية والإعلام المعتمد على الدعم الخارجي: الأولى تنبض بـ أصوات المجتمع المحلي، تعكس هموم الناس اليومية، وتبني علاقة عضوية مع جمهورها عبر نشر الأخبار وتحقيقاتها ضمن سياق اجتماعي وثقافي محدد. أما الثاني، فيصبح بمثابة مشروع معلق على إرادة خارجية -مهما سُمّي بدعم «نشر الديمقراطية» أو «تعزيز حرية التعبير» - فإن ثباته مرتبط بشروط سياسية تتجاوز بكثير احتياجات المجتمع الذي يُفترض أن يخدمه.
ورأيي أن الصحافة لا يمكن أن تكون برنامج مساعدات دولي، فبناء مؤسسات إعلامية محلية مهنية وقوية ومستديمة ضرورة ملحة في كل المجتمعات بالاعتماد على بناء نموذج ناجح قادر على النمو، عبر اشتراكات الجمهور، الإعلانات المحلية، الشراكات المدنية، أو نماذج التمويل المجتمعي. واعتماد وسائل الإعلام على دعم خارجي -مهما كانت نوايا الجهات الداعمة - لا يمكن أن يكون مساراً مستدامًا. فالصحافة الحقيقية، بصورتها ومسؤوليتها تجاه الجمهور، لا تُستورد ولا تُفرض من الخارج، بل تُنبت في بيئاتها المحلية، وتُغذّى من تفاعل المجتمع معها، وتكون أكثر قدرة على مواجهة التقلبات السياسية والاقتصادية العالمية.
[email protected]



