ضحكا، لكن الفكرة لم تبقَ في حدود المزاح. اتفقا، وقررا إنشاء المشروع. كان كل شيء يبدو منطقيًا على الورق الذي في مخيلتهما: محل صغير، وعدد محدود من العمال، ومنتج محبوب، ومؤثر يستطيع أن يضع المشروع أمام آلاف المتابعين.
لكن المشروع لم يسر كما توقعا. لم تكفِ المبيعات لتغطية المصروفات، وتراكمت الخسائر، وانتهى الأمر بإغلاق المطعم.
المفارقة أن الصديقين لم يشاهدا مشروعًا ناجحًا؛ شاهدا مشهدًا من مشروع ناجح. رأيا ما يظهر أمام الزبون، ولم يريا ما يحدث خلفه.
وهنا تكمن الحكاية.
نحن نرى ازدحام المطعم، ولا نعرف هامش الربح. نرى الإعلان، ولا نعرف تكلفة الحصول على العميل. نرى ثلاثة عمال، ولا نرى ساعات التشغيل والتكاليف المرتبطة بهم. نرى المبيعات، ولا نعرف كم بقي منها بعد الإيجار والرواتب والكهرباء والتوريد والهدر والتسويق والصيانة.
بل إن أخطر ما قد يفعله صاحب المشروع أن يحسب الإيراد ويظنه ربحًا.
وتكشف تقارير «منشآت» والهيئة العامة للإحصاء اتساع قاعدة المنشآت والأعمال في المملكة، بما يظهر حجم الفرص المتاحة في السوق. لكن كثرة المشروعات لا تعني أن الطريق إلى الاستمرار سهل.
ولعل بيانات مكتب إحصاءات العمل الأمريكي قدمت تذكيرًا لافتًا: من المنشآت الخاصة التي بدأت في مارس 2013، لم يستمر نحو واحد من كل خمسة منها إلى ما بعد عامها الأول، ونحو نصفها لم يصل إلى عامه السادس، ونحو ثلثيها لم يستمر إلى عامه الحادي عشر. وهذه بيانات أمريكية عن بقاء المنشآت، وليست معدل فشل للمشروعات، لكنها تقول شيئًا مهمًا: تأسيس المشروع شيء، والقدرة على إبقائه حيًا شيء آخر.
ومن هذا المنطلق، فإن المشروع الذي يريد البقاء لا يبدأ بسؤال: «كيف نصير ترند؟»، بل بأسئلة أقل بريقًا وأكثر أهمية: ما حجم الطلب الحقيقي؟ ما هامش الربح؟ متى نصل إلى نقطة التعادل؟ كم شهرًا تستطيع السيولة أن تحملنا؟ وماذا سنفعل إذا جاءت المبيعات أقل من توقعاتنا؟
هنا تظهر قيمة دراسة الجدوى، والاستشارة المتخصصة، واختبار الفكرة قبل التوسع، ومراقبة التدفق النقدي، وقياس رضا العملاء وتكرار الشراء. فالمؤثر قد يجلب ألف عميل إلى الباب، لكنه لا يستطيع أن يجعل العميل يعود إذا لم يجد منتجًا جيدًا، وسعرًا مناسبًا، وتجربة تستحق التكرار.
المشروع الناجح لا يراقب عدد المتابعين فقط؛ بل يراقب الأرقام التي تحدد عمره.
وقد تكون الصورة الجميلة هي التي تدفعنا إلى البدء، لكن التفاصيل هي التي تقرر إن كنا سنستمر.
الجملة الذهبية: لا تشترِ صورة النجاح قبل أن تفحص تفاصيله.
دفتر الكاتب: قبل أن تسأل: «كيف أجعل مشروعي مشهورًا؟» اسأل: «كيف أجعله قادرًا على البقاء؟».
فالفكرة قد تفتح الباب، والتسويق قد يجذب الناس إليه، لكن التفاصيل هي التي تُبقي الباب مفتوحًا.



