بعد أن جاوز نبينا محمد بن عبد الله صلى الله عليه وآله وسلم موسى عليه السلام، بكى كليم الله، فقيل له: ما يبكيك؟
قال عليه السلام: أبكي؛ لأن غلاماً بُعث من بعدي يدخل الجنة من أمته أكثر مما يدخلها من أمتي.
اليوم قد نمنع بعض الشباب من التقدم مع أنهم يستحقون بحجة وجود من هو أكبر منهم وأسن، وأحياناً الكبير يقف عقبة أمام من بعده، فلا هو الذي يتقدم للأمام ولا هو الذي يتنحى عن الطريق ليفتح المسار لمن أراد التقدم.
لا يجب أن يمنعنا السن من تقديم من يستحق التقديم إذا كان يملك ما يستحق معه التقديم، وعنده الرغبة في الاستفادة من خبرة أصحاب الخبرة، وأركز على «إذا كان يملك ما يستحق معه التقديم»، وكل دعوى تحتاج إلى إثبات.
وفي التاريخ شواهد على تقديم من يستحق ولو كان صغير السن، ففي كتاب زهر الآداب وثمر الألباب: أنه لما استخلف عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه قدم عليه وفود أهل كل بلد؛ فتقدم إليه وفد أهل الحجاز، فاشرأبّ، منهم غلام للكلام، فقال عمر: يا غلام؛ ليتكلّم من هو أسنّ منك! فقال الغلام: يا أمير المؤمنين! إنما المرء بأصغريه قلبه ولسانه، فإذا منح الله عبده لسانا لافظا، وقلبا حافظا، فقد أجاد له الاختيار؛ ولو أن الأمور بالسنّ لكان هاهنا من هو أحقّ بمجلسك منك.
فقال عمر: صدقت، تكلم؛ فهذا السحر الحلال!
فقال: يا أمير المؤمنين، نحن وفد التهنئة لا وفد المرزئة، ولم تقدمنا إليك رغبة ولا رهبة؛ لأنّا قد أمنّا في أيامك ما خفنا، وأدركنا ما طلبنا! فسأل عمر عن سنّ الغلام، فقيل: عشر سنين.
وقد روى أن محمد بن كعب القرظى كان حاضرا، فنظر وجه عمر قد تهلّل عند ثناء الغلام عليه؛ فقال: يا أمير المؤمنين؛ لا يغلبنّ جهل القوم بك معرفتك بنفسك؛ فإنّ قوما خدعهم الثناء، وغرّهم الشكر، فزّلت أقدامهم، فهووا في النار، أعاذك الله أن تكون منهم، وألحقك بسالف هذه الأمة؛ فبكى عمر حتى خيف عليه، وقال: اللهم لا تخلنا من واعظ!
شبابنا يملكون الكثير فلمنحهم الكثير.
[email protected]



