كانت حيرة القدماء حيرةَ معنى، أما حيرة اليوم فهي حيرةُ وجهة، الإنسان الحديث يعرف الطريق إلى كل شيء، لكنه لا يعرف إلى أين يريد أن يذهب، وهكذا أصبح الإنسان الحديث محاطًا بحريةٍ تشبه المتاهة.
وفي المشهد المحلي، نجد أن الشعر قد التقط هذا الاضطراب بلغة قريبة من القلب إذ يقول الأمير الشاعر فيصل بن تركي بن عبد الله:
لمّي أحزان الزمن والهم لمّي
يكفي سنين مضت وانّا حيارى
كأنها صرخة إنسانٍ ضاق بالحدود وبالاحتمالات في آنٍ واحد، هذه الحيرة لم تعد فلسفية ولا رومانسية، بل واقعاً يومياً يعيشه كل من يتقاطع طريقه مع الخيار التالي.
وتتأكد حالة الحيرة والتردد في حاضرنا المتسارع مع جيلٍ يعيش بين وفرة الفرص وضياع الاتجاه، بين الانفتاح العالمي والبحث عن الذات، ومع ذلك لا تخلو الحيرة بوصفها حالة لحظية لا اعتياد، من جمالٍ خفي، فهي كما يقال «الدهشة الأولى التي تسبق المعرفة» فربما تكون الحيرة علامة إحساسٍ، ودليل وعي، ومفتاحًا لرحلة البحث لا نهايتها.
ومن زاويةٍ دينية، لم يكن الإسلام بعيداً عن مفهوم الحيرة، بل اعتبرها مرحلة في طريق الهداية، ومقدمة للطمأنينة، فالقرآن الكريم يخاطب الإنسان الحائر بالبحث لا بالإنكار، ويقوده من السؤال إلى اليقين.
قال تعالى: «إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا» -الإنسان:3-
وقال سبحانه: «فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا» - الروم: 30-
فالفطرة في أصلها نقية، تعرف طريقها إلى الحق، غير أن ما يحيط بالإنسان من مؤثرات قد يثير في داخله الحيرة والتردد، ولكن الإيمان بالله يوجّهها نحو الحقيقة لا نحو التيه، وقد رُوي عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه كان يدعو في سجوده: «اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك».
وهو اعترافٌ إنساني عميق بأن القلب بطبعه متقلّبٌ، وأن الثبات لا يتحقق إلا بالالتجاء إلى الله.
إن الحيرة في المنظور الإيماني ليست نقصًا في الإيمان، بل علامة على صدق البحث عن الحق، إذ لا يُهتدى إلا بعد ضياعٍ، ولا يُبصِر النور إلا من عرف ظُلمة الشك، ومن هنا، يصبح الإيمان هو البوصلة التي تعيد للإنسان توازنه وسط دوامة الخيارات العصرية.
ولعل الحل لا يكمن في القضاء على الحيرة، بل في إدارتها؛ أن يختار الإنسان ألا يختار كل شيء، أن يهدأ وسط الضجيج، أن يتصالح مع ضباب الطريق، ففي كتاب «فن اللامبالاة» لمارك مانسون دعوة صريحة لتحديد ما يستحق اهتمامنا، لأن وضوح القيم هو ما ينقذنا من الغرق في بحر الخيارات.
وهكذا تبقى الحيرة رفيقة الإنسان في كل عصر، غير أنها تأخذ أشكالاً مختلفة، كانت سؤالاً عن الله والوجود، فأصبحت سؤالًا عن الاتجاه والمعنى والهدف، وبين الحيرة الأولى والأخيرة، يبقى الإنسان على الدوام باحثاً عن الوجهة في زمنٍ لا يهدأ، يتمثل قول الشاعر إيليا أبو ماضي:
جِئتُ لا أَعلَمُ مِن أَينَ وَلكِنّي أَتَيت .. وَلَقَد أَبصَرتُ قُدّامي طَريقاً فَمَشَيت
[email protected]



