وفي علم المنظمات، يُعدّ التوافق بين قيم الموظف وقيم المنظمة أحد روافد الانتماء والعطاء؛ فكلما اقتربت القيم، اتسعت مساحة الانسجام، وحين تتباعد، قد يظهر ما يُعرف بالصراع القيمي؛ لا بوصفه خصومة بين الموظف ومكانه، ولا حكمًا على أحدهما، بل إشارة إلى أن ما يطمح إليه الفرد وما تتيحه البيئة لم يعودا يسيران بالقدر نفسه من التوافق. وهنا تظهر قيمة الوعي؛ فليس مطلوبًا من الموظف أن يمضي عمره محاولًا تغيير كل بيئة حتى تتوافق معه، كما أن اختلافه معها لا ينتقص من قيمتها. وقد يعني ذلك ببساطة أن لكل مرحلة متطلباتها، وأن من النضج أحيانًا معرفة المساحة التي يمكن أن تُثمر فيها الخبرة، ويتسع فيها مجال العطاء.
وفي قصص الأنبياء والسيرة ما يضيء معنى التحول بين المراحل؛ فكانت مدين فصلًا في مسيرة موسى -عليه السلام- قبل عودته إلى مصر، وكانت الهجرة إلى المدينة إيذانًا بمرحلة جديدة في مسيرة الدعوة، اتسعت فيها دوائر الرسالة والأثر. ومع اختلاف السياقات، يبقى معنى رفيع: أن تحوّل المكان لا يعني تبدّل الغاية، وأن بعض المراحل لا تتجلّى حكمتها كاملة إلا بما يأتي بعدها.
وفي حياتنا، قد يطول انشغالنا بفرصة نعرفها حتى تضيق رؤيتنا عما سواها، مع أن الحياة أرحب من أن تختصر احتمالاتها في مسار واحد. وبعض الفرص لا تظهر بمزيد من الإصرار على الطريق ذاته، بل حين نملك شجاعة الالتفات إلى ما حولنا، فنرى من الممكن ما حجبه عنا الاعتياد.
ولعل السؤال الأجدر في بعض مراحل المسيرة ليس: أين اعتدنا أن نكون؟ بل: أين نستطيع أن نضيف أكثر، ونحافظ على قيمنا، ونضع خبرتنا في ميدان يتسع لأثرها، ويمنح عطاءنا مجالًا أرحب للإسهام في خدمة الوطن؟
فالحياة أوسع من تجربة واحدة، والنجاح لا يسكن مكانًا واحدًا، والطموح حين يكبر لا يبحث بالضرورة عن مكان أفضل، بل عن أفق أوسع. وأحيانًا، لا نحتاج إلى أن نطرق الباب ذاته بقوة أكبر؛ يكفي أن نرفع أعيننا عنه، لنرى أبوابًا لم نلتفت إليها من قبل.
فلكل مرحلة فصولها، ولكل خطوة توقيتها، ولكل طموحٍ آفاق.
@Ge_alsh



