ثمة أوقات لا تأتي لتمنحنا إجابات، بل لتنتزع منا الإجابات السهلة. نُدفع فيها إلى مواجهة أسئلة طالما أجّلناها، وإلى إعادة النظر في قناعات ظننا أنها لا تقبل المراجعة. هناك تحديدًا، في المسافة الفاصلة بين ما كنا نعتقده وما تكشفه لنا التجربة، يبدأ الوعي في التشكل؛ فالإنسان لا ينضج لمجرد أن السنوات مرّت به؛ ينضج حين تعيد التجارب ترتيب نظرته إلى نفسه وإلى الحياة.
قد تأتي الخيبة لتكشف لنا وهمًا، وقد يأتي الفقد ليعيد تعريف ما يستحق البقاء، وقد يأتي الابتعاد ليعلّمنا أن القرب وحده لا يصنع علاقة صادقة، وليس كل ما يؤلمنا شرًا محضًا؛ بعض الآلام تأتي حاملةً معها معرفةً لم يكن بوسع الأيام الهادئة أن تمنحنا إياها.
وفي العتمة، نتعلم شيئًا بالغ الأهمية: أن ما نعرفه ليس دائمًا الحقيقة كاملة.
نتعلم أن نراجع أنفسنا دون أن نشعر أن المراجعة انكسار، وأن نغيّر رأينا حين يتغير فهمنا، وأن نعترف بخطئنا دون أن نبحث عن مبررات تحمينا من مواجهة ذواتنا. فالتواضع الحقيقي لا يكون في أن نقلل من شأن أنفسنا، بل في أن ندرك أن رؤيتنا، مهما اتسعت، تظل جزءًا من صورة أكبر. وحين يتسع الوعي، تتغير علاقتنا بالاختلاف.
لا نعود بحاجة إلى الانتصار في كل نقاش، ولا إلى إقناع الجميع بأن رؤيتنا هي الأصح. نفهم أن بعض الاختلافات لا تحتاج إلى خصومة، وأن الإنسان قد يكون مختلفًا عنا دون أن يكون مخطئًا بالضرورة، ونكتشف أن الإنصاف أرقى من الحكم، وأن فهم الدوافع أعمق من محاكمة النتائج.
ثم نصل إلى مرحلة لا نبحث فيها عن تفسير لكل شيء. ندرك أن بعض الأبواب أُغلقت لحكمة، وبعض الطرق لم تكن لنا مهما تمنيناها، وأن ما ظنناه نهايةً قد يكون مجرد إعادة توجيه. عندها لا تعود التجربة سؤالًا عن سبب ما حدث، بقدر ما تصبح سؤالًا عن أثره: «ماذا غيّر فينا؟ وماذا علّمنا؟ وماذا أسقط عن أرواحنا؟» وهنا تكمن قيمة العتمة.
فهي لا تجعل الحياة أكثر وضوحًا بالضرورة، لكنها تجعلنا أكثر قدرة على قراءتها، وتجعلنا أقل استعجالًا، وأكثر انتباهًا لما وراء الظاهر، وأشد حرصًا على ألا نمنح الآخرين حق تعريفنا أو تحديد قيمتنا.
نتعلم أن السلام الداخلي ليس أن تخلو الحياة من الفوضى، بل أن نمتلك في داخلنا ما يكفي من الوعي حتى لا نصبح جزءًا منه. وربما كان أجمل ما تفعله العتمة بنا أنها تعيدنا إلى أنفسنا؛ بعيدًا عن التصفيق، وعن التوقعات، وعن الأدوار التي ارتديناها طويلًا حتى ظننا أنها نحن. هناك، في أعمق نقطة من الصمت، قد نكتشف أن الإنسان لا يحتاج دائمًا إلى طريق مضاء؛ أحيانًا يحتاج فقط إلى بصيرة تكفيه ليخطو الخطوة التالية.
شمعة مضيئة:
ربما لم تكن العتمة التي مررنا بها انطفاءً، بل إعادة تشكيل؛ فقد أسقطت عن أرواحنا ما لم يعد يشبهها، وعلّمتنا أن بعض الطرق لا تُضيء إلا حين نمشيها بوعي.
[email protected]



