هذا السؤال نفسه طرحه الفاروق عمر رضي الله عنه على الرسول -صلى الله عليه وسلم- حين رأى ما عند فارس والروم من وفرة ورخاء، فقال: «يا رسولَ الله! ادعُ الله أن يُوسِّع على أمتك، فإن فارس والروم وُسِّع عليهم وأُعطوا الدنيا، وهم لا يعبدون الله».
فقال -صلى الله عليه وسلم- مستنكِرًا: «أَوَفِي شَكٍّ أنت يا ابنَ الخطاب؟! أولئك قومٌ عُجِّلت لهم طيّباتهم في حياتهم الدنيا».
في هذا الحديث يضع النبي -صلى الله عليه وسلم- ميزانًا عدلًا يُجيب عن السؤال ويُصحّح المفهوم: الدنيا ليست معيار رضا الله، ولا علامة قربٍ أو بعد. وسّع الله على أقوامٍ رغم كفرهم، وضيّق على آخرين رغم صلاحهم؛ لأن الدنيا دار اختبار.
قد يكون الغنى امتحانًا، والفقر امتحانًا، والصحة امتحانًا، والمرض امتحانًا. فالقدر يبتلي بالشر والخير معًا:
«نبلوكم بالشر والخير فتنة».
الخيرات التي يراها الناس في بعض البلاد ليست وعدًا بالجنة، ولا صكوك غفران، بل هي نصيبهم الذي عجّله الله لهم في الدنيا، وليس لهم في الآخرة ما يرجون إن لم يؤمنوا به.
جرت سنة الله أن يُعطي نتائج الدنيا لمن يأخذ بأسبابها: فالذي يزرع يحصد، ومن يعمل يتقدم ويبدع مهما كان اعتقاده، فتطبيق القوانين، وإتقان الصناعة والاهتمام بالعلم .. كلها أسباب دنيوية من أخذ بها وصل، مسلمًا كان أو غير مسلم، فالدنيا دار عطاء مشترك. والرخاء لا يُعطى لجنس دون آخر، ولا لشعب دون شعب، بل لمن يُحسن أسبابه.
المؤمن إن يقلّ نصيبه من الدنيا فهو يدّخر عند الله ما هو أعظم، وغير المسلم إن رُزق فيها، فقد نال رزقه كلّه هنا؛ لأنه لا ينتظر الآخرة.
الصحابة الذين استغربوا نعيم فارس والروم، لم تمض سنوات حتى فتح المسلمون تلك الدول، وجاءتهم الدنيا صاغرة.
كثرة المطر ليست علامة رضا، ولا وفرة الخيرات دليل قرب. والرزق ليس دائمًا تفضيلًا، كما أن الفقر ليس دائمًا عقوبة، إنه ميزان الابتلاء الذي تقوم عليه الحياة.
قفلة:قال أبو البندري غفر الله له:
العبرة ليست بما تملك اليوم.. بل بما تُعدّه ليومٍ آخر.
[email protected]



