ومن هنا تظهر مفاهيم مثل القيمة العظمى والقيمة الصغرى، أو القيمة القصوى والقيمة الدنيا، لتصف حدود القيم التي يمكن أن تصل إليها الأشياء وفقًا للظروف والمعطيات.
فالعمارة والإنشاء، مثلًا، لا يقومان على الشكل وحده، بل على حساب الارتفاعات والأحمال والمسافات؛ للوصول إلى أفضل مستوى ممكن من الأمان والكفاءة.
وفي الهندسة الفراغية، قد تمثل نقطة واحدة موقعًا في ثلاثة أبعاد، بينما يكشف المجسم عن علاقات معقدة بين الطول والعرض والارتفاع.
وهكذا تتقاطع الرياضيات مع الحياة؛ فما نراه من مبانٍ وطرق وجسور ومدن هو، في جوهره، ترجمة عملية للأرقام والهندسة.
إن القيمة القصوى ليست دائمًا الأفضل، كما أن القيمة الصغرى ليست بالضرورة الأسوأ؛ فالقيمة الحقيقية تتحدد وفقًا لما نريد تحقيقه والظروف التي تحكمه.
وبين الأرقام والفراغات، تبقى الهندسة لغةً تصوغ الفكرة وتحولها من تصور ذهني إلى واقع قائم يمكن قياسه وبناؤه.
وهي أبعد من أن تكون مجرد أرقام جامدة؛ إذ إنها لغة نروّض بها الواقع ونكشف من خلالها انتظامه وعلاقاته، حتى يصبح المجهول قابلًا للفهم والتطبيق.
وإذا كان الحساب سبيلًا إلى عدّ السنين وإحكام المقادير، فإن الرياضيات أوسع منه؛ فهي إطار تتبلور فيه العلوم، وتتحول من خلاله المعرفة إلى نماذج وحلول.
كما تمنحنا أدوات لفهم ما وراء الغموض، والتنبؤ بالنتائج، وتوظيف المعرفة لخدمة الإنسان.
[email protected]



