قبل ما يقارب الست سنوات صدر أمر ملكي بضم وزارة الخدمة المدنية إلى وزارة العمل والتنمية الاجتماعية، وتم تعديل مسماها ليصبح وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية، وذلك من ضمن حزمة قرارات استهدفت إصلاحات إدارية وهيكلية تحت مظلة رؤية المملكة، وفي هذا المقال سأتطرق لوجهة نظري الشخصية عن الحاجة لإعادة هيكلة هذه الوزارة كضرورة استراتيجية لضمان تحقيق مستهدفات الرؤية.
في الوقت الحالي تعتبر الوزارة من أكبر الكيانات الحكومية في المملكة، وممكن وصفها بأنها "وزارة عملاقة أمام مهمة تاريخية"، حيث تضم الوزارة تحت مظلتها ثلاثة قطاعات حيوية هامة وضخمة "العمل، الخدمة المدنية، التنمية الاجتماعية"، والدمج الذي تم لها قبل الست سنوات كان في مرحلة هامة للتحول الحكومي لتحقيق مكاسب تنظيمية.
بتفصيل أعمق نجد أن قطاع العمل والذي يخدم القطاع الخاص وينظم علاقة العمل بين العامل وصاحب العمل بشكل أساسي يعتبر ذو طبيعة اقتصادية تنموية، وقطاع الخدمة المدنية والذي يخدم العاملين بالقطاع والهيئات الحكومية ويساهم في تطوير أداءه ورفع كفاءته يعتبر ذو طبيعة تنظيمية حكومية، أما بالنسبة لقطاع التنمية الاجتماعية والذي يخدم الشريحة الأكثر احتياجاً في المجتمع فله أولويات متعددة وضخمة، ويعتبر ذو طبيعة اجتماعية إنسانية. قطاع العمل يحتاج إلى عقلية سريعة ومرنة قادرة على التعامل مع آليات السوق ومتطلبات القطاع الخاص، ولها خبرات متعددة في الجانب الاقتصادي والأعمال بالإضافة لسوق العمل، وقطاع الخدمة المدنية يحتاج إلى عقلية تنظيمية تُركز على معايير الأداء الحكومي والتحول الاستراتيجي، أما قطاع التنمية الاجتماعية فيحتاج إلى عقلية إنسانية تمكينية تتعامل مع ملفات حساسة مثل الفقر والتماسك الأسري ورعاية ذوي الإعاقة، ولذلك من المهم أن نتحول من ثقافة "الكيان الأضخم" إلى ثقافة "التأثير والتخصص الأعمق".
بعد مرور الست سنوات وبعد تحقيق العديد من المستهدفات الخاصة بتلك القطاعات، ووضوح التحديات والتعقيدات التي تواجهها، أصبح من الضرورة أن يكون لدينا نموذج حوكمة أكثر تركيزاً، بحيث تكون قطاعات "العمل والخدمة المدنية" في مسار مستقل كوزارة تحت مسمى "الموارد البشرية"، وتكون التنمية الاجتماعية في مسار آخر مستقل تحت مظلة "هيئة أو صندوق" يُدار بنموذج مالي مرن شبيه بالصناديق السيادية الاجتماعية (Social Investment Funds)، وذلك حتى يكون هناك تركيزاً أكثر وتخصيص للجهود نحو كل قطاع بما ينسجم مع طبيعة مهامه، نظراً للتوسع الذي يشهده كل قطاع منهم.
استقلالية "العمل والخدمة المدنية" في وزارة تحت مسمى "الموارد البشرية" أصبح ضرورة لخلق تكامل يُركز على منظومة سوق العمل وتطوير رأس المال البشري من خلال رؤية موحدة، خاصة في ظل المتغيرات الجذرية والمتسارعة التي تطرأ على سوق العمل عالمياً، واستقلالية "التنمية الاجتماعية" تحت مظلة "هيئة أو صندوق" أصبح ضرورة لدعم التحول لنموذج التمكين والاستثمار الاجتماعي، وتبني حلول مبتكرة لمعالجة القضايا الاجتماعية، وحتى تكون هناك مرونة أكثر في التعامل مع المستجدات الاجتماعية، والتي نلاحظ من سطور مستهدفات رؤية المملكة أنها تتجه لتبني منهجيات حديثة للتنمية الاجتماعية.
كوجهة نظر شخصية أرى أن المشهد الحالي لوزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية يُظهر تحدياً حقيقياً في إبراز المستهدفات نظراً لضخامتها وأهميتها، وأرى أن إعادة الهيكلة من خلال الفصل ليس مجرد "إجراء إداري"، بل يعتبر تأكيداً على المرونة التي اعتدنا عليها منذ إطلاق رؤية المملكة لدعم التخصص والتركيز مما يسرع من وتيرة تحقيق مستهدفات الرؤية الطموحة لبناء مجتمع حيوي واقتصاد مزدهر.
ختاماً؛ التركيز المؤسسي هو الذي يخلق الأثر المستدام، وإعادة هيكلة الوزارة سيخلق لنا رشاقة إدارية مهمة يتضح من خلالها الإنجازات التي يتم تحقيقها لكل قطاع بدون أي تأثير من قطاع آخر، فهل سنشهد هذا التحول قريباً؟.
* مستشار موارد بشرية



