فالبعض يعتقد أنه يستطيع التعامل مع أبيه وأمه كما يتعامل مع صديقه، وإن رأى هيبة والديه اعتقدها تشددًا وتزمتًا، خصوصًا وهو يرى في بعض مواقع التواصل الاجتماعي صورًا من التعامل لا تليق بمكانة الوالدين.
وهناك من يتتبع على معلمه أدنى زلة، ويقيّمه وهو يتعلم منه، مع أن من يعرفون لأهل الفضل فضلهم حفظوا وكرروا:
قم للمعلم وفّه التبجيلا
كاد المعلم أن يكون رسولًا
أعلمت أشرف أو أجل من الذي
يبني وينشئ أنفسًا وعقولًا
ومثل ذلك احترام الوالدين وتقديرهما، ومعرفة فضلهما ومكانتهما، فقد أمر الله تعالى بالإحسان إليهما، فقال سبحانه: «وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانًا».
وفي سيرة سيد الخلق -صلى الله عليه وآله وسلم-، نجد صورًا عظيمة من الوفاء والتقدير وحسن التعامل. فعندما خرج رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- من مكة مع أبي بكر الصديق - رضي الله عنه- يريدان الهجرة، وانتهيا إلى غار ثور، قال أبو بكر الصديق -رضي الله عنه-، في حرص على رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم -: «والله لا تدخله حتى أدخل قبلك، فإن كان فيه شيء أصابني دونك».
فدخل أبو بكر وكسح الغار، ووجد في جانبه ثقبًا، فشق إزاره وسدّها به، وبقي منها اثنان فألقمهما رجليه، ثم قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: «ادخل». فدخل رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ووضع رأسه في حجر أبي بكر رضي الله عنه ونام، فلُدغ أبو بكر في رجله من الجحر، ولم يتحرك مخافة أن ينتبه رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم-، فسقطت دموعه على وجه رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم-، فقال: «ما لك يا أبا بكر؟»
قال: «لُدغت، فداك أبي وأمي». فتفل رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم-، فذهب ما يجده، ومكثا في الغار ثلاث ليال، وكان أبو بكر يتابع رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم-، ويتردد أبناؤه بما يحتاجون إليه.
الاحترام ليس ضعفًا، وبر الوالدين لا ينتقص من كرامة الإنسان، ومعرفة أقدار الوالدين وتقدير فضلهما ليست تخلفًا؛ بل هي من تمام العقل وحسن الخلق، ومن القيم التي تحفظ للأسرة مكانتها وتماسكها.
اعرف لوالديك فضلهما، واحفظ لهما مكانتهما، وأحسن إليهما؛ فمكانة الوالدين لا تُقاس بالعمر أو اختلاف الآراء، وإنما بما لهما من فضل ومقام، وبرهما من أجمل صور الوفاء وحسن الخلق.
[email protected]


