لكن اللافت أن الناس لا يعيشون هذا الإيقاع بالطريقة نفسها. فهناك من يستطيع التعامل مع كثرة المهام والتغيرات المتلاحقة، بينما يجد آخرون صعوبة في الانتقال من أمر إلى آخر بالسرعة ذاتها. وليس ذلك بالضرورة بسبب اختلاف القدرات، وإنما لأن لكل إنسان طاقته وظروفه وطريقته في التعامل مع الضغوط.
وقد ساهمت التقنية في جعل العالم أكثر سرعة. فالمعلومة تصل في لحظتها، والرسالة لا تحتاج إلى وقت طويل، والعمل يمكن أن يستمر خارج ساعات الدوام، والأحداث تتغير قبل أن نمنح أنفسنا فرصة كافية لاستيعابها. ومع هذه السرعة، أصبح الإنسان مطالبًا بأن يكون حاضرًا باستمرار، وأن يتابع كل جديد، وأن يستجيب بسرعة، وكأن التأخر عن شيء يعني بالضرورة فقدانه.
وهنا تظهر مشكلة أخرى؛ فليس كل ما يصل إلينا يستحق أن نمنحه وقتنا. قد نستهلك ساعات في متابعة تفاصيل لا تؤثر في حياتنا، أو ننشغل بأمور يمكن تأجيلها، بينما تتراجع الأشياء الأكثر أهمية إلى نهاية قائمة الاهتمامات.
وقد تناول الفيلسوف الروماني سينيكا هذه الفكرة قبل قرون في كتابه «عن قِصر الحياة»، مشيرًا إلى أن المشكلة ليست بالضرورة في قِصر الوقت، وإنما في إهدار جزء كبير منه، وأن الحياة يمكن أن تكون كافية إذا أُحسن تنظيمها واستثمارها.
وربما تبدو هذه الفكرة أكثر أهمية اليوم، لأن الإنسان المعاصر يملك وسائل لم تكن متاحة لمن سبقوه، لكنه في المقابل يواجه قدرًا أكبر من المشتتات. فالمشكلة لم تعد فقط في مقدار الوقت المتاح، بل في مقدار الانتباه الذي نستطيع الاحتفاظ به وسط هذا التدفق المستمر.
ولهذا، ربما لا يكون الحل في محاولة مجاراة كل شيء. فالوقت لن يتباطأ من أجلنا، ولن تتوقف الحياة حتى نرتب أمورنا. لكن بإمكاننا أن نغيّر طريقة تعاملنا معه.
قد يكون من المفيد أن نحدد ما يستحق اهتمامنا فعلًا، وأن نتعلم قول «ليس الآن» لبعض الأمور، وأن نترك مساحة للراحة دون شعور بالذنب، وأن ننجز أعمالنا بتركيز بدل الانتقال المستمر بين مهام كثيرة.
وفي النهاية، ليست الحكمة أن نركض أسرع من الوقت، فهذا أمر لا يمكننا تحقيقه، وإنما أن نعرف إلى أين نريد أن نذهب قبل أن نبدأ الركض. فالإنسان لا يحتاج إلى أن يفعل كل شيء، ولا أن يعرف كل شيء، ولا أن يواكب كل ما يحدث حوله. يكفي أن يعرف ما الذي يستحق وقته، ثم يمنحه ذلك الوقت بوعي وهدوء. وربما يكون أفضل ما نفعله في مواجهة سرعة الحياة أن نتعلم كيف نبطئ قليلًا، لا لنتخلف عن الآخرين، وإنما لنصل إلى ما نريده ونحن أكثر حضورًا واتزانًا.
[email protected]


