لم يكن الرجل قد تغيّر، لكن صورته تغيّرت في عيون بعض من حوله. وكأن نجاحه لم يفتح له بابًا جديدًا في حياته المهنية فحسب، بل أغلق في نفوسهم بابًا من الرضا، فأشعل غيرةً لم تدفعهم إلى أن يعملوا أكثر، وإنما جعلتهم يتمنون ألا يحصل على ما حصل عليه.
هنا تظهر ما يُعرف مجازًا بـ«عقلية السلطعون»؛ ذلك السلوك الذي يشبه ما يحدث حين يوضع عدد من السلاطع في وعاء، فإذا حاول أحدها الصعود، جذبه الآخرون إلى الأسفل، وكأن بقاء الجميع في القاع أفضل من أن يصل أحدهم إلى الأعلى.
وليس المقصود أن كل من شعر بالغيرة أصبح «سلطعونًا». فالغيرة شعور إنساني قد يمر بنا جميعًا، لكن الفارق الحقيقي يكمن فيما نفعله بهذا الشعور. وقد ارتبط عالم النفس الأمريكي ليون فستنغر بمفهوم المقارنة الاجتماعية، الذي تناول فيه ميل الإنسان إلى مقارنة قدراته وآرائه بالآخرين، خصوصًا عندما يبحث عن معيار يقيّم به نفسه. وتبدأ المشكلة حين تتحول المقارنة من وسيلة لفهم الذات وتطويرها إلى وسيلة للحط من الآخرين.
في بيئة العمل، قد يرى الموظف زميلًا يحصل على ترقية، فيقول في داخله: «لماذا هو؟» ثم يبدأ في البحث عن عيوبه، وتفسير نجاحه بأسوأ الاحتمالات، وربما التقليل من إنجازاته. وفي هذه اللحظة، لا يعود نجاح الآخر مجرد خبر مهني، بل يصبح تهديدًا لصورة الشخص عن نفسه.
وقد حذّرنا النبي ﷺ من الوجه المؤذي لهذا الشعور بقوله: «لا تباغضوا، ولا تحاسدوا، ولا تدابروا، وكونوا عباد الله إخوانًا» رواه مسلم.
لكن الإسلام لا يطلب منا أن نطفئ طموحنا عندما نرى نجاح الآخرين، بل يوجهه إلى وجهته الصحيحة. ففي الحديث: «لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله مالًا فسلطه على هلكته في الحق، ورجل آتاه الله الحكمة فهو يقضي بها ويعلّمها» رواه البخاري ومسلم. والمقصود هنا الغبطة؛ أن تتمنى مثلما عند غيرك من الخير، دون أن تتمنى زواله عنه.
وهنا يظهر الفرق بين السلطعون والسلم. فهناك من يرى زميله الناجح فيسأل: «لماذا هو؟»، وهناك من يراه فيسأل: «كيف وصل؟ ماذا فعل؟ وماذا يمكنني أن أتعلم منه؟».
الأول يحاول سحب الناجح إلى الأسفل حتى يشعر أنه ليس أقل منه، أما الثاني فيحوّل نجاح الآخرين إلى درجات يصعد عليها هو أيضًا.
وربما كانت أجمل قاعدة في الحياة المهنية: لا تجعل نجاح زميلك دليلًا على فشلك؛ اجعله دليلًا على أن النجاح ممكن.
فالطريق إلى الأعلى لا يحتاج إلى أن نهدم من سبقنا، بل أن نتعلم منهم، ونبني درجاتنا الخاصة. وفي النهاية، لن يصعد السلم من قضى وقته في شدّ الآخرين إلى الأسفل.
الجملة الذهبية:
«حين ترى نجاح الآخرين، يمكنك أن تكون يدًا تسحبهم إلى الأسفل، أو درجةً تصعد بها إلى الأعلى.»
دفتر الكاتب:
الناجح الحقيقي لا يسأل: كيف أمنع غيري من الصعود؟ بل يسأل: ماذا أتعلم ممن سبقني؟



