يقول أحمد شوقي في إحدى روائعه الشهيرة: « العلمُ يرفعُ بيتاً لا عمادَ لهُ»، وقدْ تَنَاقلتها الأجيالُ لفترةٍ طويلة، فالعلمُ عباءةٌ، وحلةٌ تزيدُ الباهيَ إطلالةً مميزةً وبصمةً فريدة، ولكنْ ما هو الأصلُ النبيلُ هُنا؟ العِلْمُ لا يزينُ فاقدَ الأدبِ، صحيحٌ أن العِلْمَ يرفعُ بيتاً لا عِمادَ لهُ، ولكنْ ليسَ وحدهُ، بلْ بِكَفِ الأدبِ وسِاعِدِه يقويانِ على رفعِ بيوتٍ بلا عمد. إياكَ أنْ تقعَ في فخِ الغرورِ عندما يبالغُ الآخرونَ في تعظيمِ إنجازٍ لولا ربُ العبادِ وتسخيرهِ لما وصلتَ إليهِ، فدربُ النجاحِ طويلةٌ، ووعرةٌ، خطرةٌ والنجاةُ فيها هديةُ الرحمنِ، فهلا وضعتَ لهديَتِه قِيمتَها واحتِرَامَها؟ وتذكرْ بإنكَ أنتَ الإضافةُ للمنصبِ لا هُو إليكَ، فلا تُعَظِمْهُ فليسَ من الحِكْمَةِ ولا مِنْ تَمَامِهَا ربْطُهُ بِقِيمَتِكَ التِي تَعْلَمُ مُسْبَقاً بِأَنَهُ سَيَذْهَبُ مِنْكَ كَمَا أَتَى إِلَيْكَ.
يا صَاحِبَ المَقَامِ الرَفِيعِ والمَنْصِبِ العَالِي فِي مَجْمُوعَتِك، مُؤَسَسَتِكَ، كَيَانِكَ النَاجِح الذي صنعتهُ في سوقِ العملِ أو في مُعْتَرَكِ الحياةِ، مهما سارتْ بِكَ الحياةُ وارتفعتْ بكَ الغيومُ ستبْقَى إِنْسَاناً فَحَافِظْ على دَائِرَةِ أُسْرَتِكَ فَهمْ مَسْؤُولِيَتُكَ أنتْ ولا يمكنُ استِبْدَالُكَ بأحدٍ ما دمتَ على قيدِ الحياة. كما أنكَ الابْنُ الذي تَقَرُ عينَا وَالدَيكَ بِرؤيَتِك فنلْ واكسبْ رِضاهُما حُسْناً في الدُنيا ما دُمتَ في حَنَانِهمَا تنعمُ، وغيركَ يبْكِي حرقةَ الفقدِ. ولا تنسى رقمكَ الاجتماعي، فهو رقمٌ ذو ديناميكيةٍ متقلبة، تتفاوتُ صعوداً ونزولاً بتغيرِ الزمانِ، والمكانِ، والظرفِ، والمناسبة، فجزءٌ منه ثابتٌ كشجرةٍ بِتُرْبَتِها، وجزءٌ مِنْهُ متغيرٌ كَطَائِرٍ يُحَلِقُ في السَمَاءِ باحثاً عن مواطِنِ الربيع.
فمِهْمَا عَلَتْ رُتَبُكَ في سوقِ العملِ أو الأوساطِ الأكَادِيميةِ، تذكرْ أنكَ بسيط، وأنكَ تعيشُ وسطَ مجتمعٍ ثقافتهُ التلاحمُ، والتراحمُ والأخوةُ، وحُسنُ الجِيرَة، وكنْ حكيماً وارتدْ حُلَةَ التواضُعِ، وإياكَ والغرورُ والتكبرُ على أفرادهِ، وإلا عَضَضْتَ أَصَابِعَ الندمِ في يومٍ ليسَ ببعيد، فللكراسي سحرٌ لا يعدو كونهُ وهماً، وارتداءُ الأقنعة في الحفلةِ التنكريةِ لن يدوم، بلْ ستكشفُ الأقنعةُ عندَ أولِ منعطف.
إن إدارة الأمور ومغالبة هوى النفس عقل وحكمة يقود سفينك للحياة الهانئة، ودفتها الأخرى التحكم في الآخرين والمواقف والمشهد فهو ينم عن اضطراب واختلال في موازنة الأمور، لا يوصلك إلى لجزيرة المشاكل في بحرٍ من المشاعر الملتهبة والمؤلمة. فأنت من تصنعُ قيمتكَ التي تنبعُ من شخصكَ وأفكاركَ ومواقِفكَ وتعرِيفكَ لنفسِكَ. المنصبُ يا عزيزي مِرآةٌ تكشِفُ وتعكسُ دواخِلَ نفسِكَ إنْ رأيتَهُ تشريفاً أحببتَ واستحسنتَ ما يُعطيك، وإنْ استبْصَرْتَهُ تكليفاً لن يدوم، وأنه إطارٌ زمني محدود لتضعَ بصمتك، ستتغيُر ملامحُ الشخصيةِ لتصبح ذاتَ نظرةٍ حادة ونبرةٍ حازمة، ورؤىً واضحة، وخطىً ثابته، فلكلِ تصرفٍ أو موقفِ مثلثُ وعي ينبعُ من دورٍ وعقليةٍ فينتجُ عنه سلوك.
[email protected]



