في 15 يناير 2009، وعلى ارتفاع يقارب ثلاثة آلاف قدم فوق مدينة نيويورك، اصطدمت طائرة يقودها الكابتن تشيسلي سولينبرغر بسرب من الطيور، ما أدى إلى فقدان محركيها قدرتهما على العمل خلال وقت قصير. لم يعد أمامه مطار قريب، ولم يكن هناك وقت طويل للتردد؛ كانت الطائرة تفقد ارتفاعها، و155 شخصًا ينتظرون قرارًا لا يحتمل الخطأ.
في تلك اللحظة، لم يكن سولينبرغر بحاجة إلى معلومات أكثر بقدر حاجته إلى انتباه كامل. لم يسمح للذعر بأن يشتت ذهنه، بل بقي حاضرًا مع ما يحدث، وقيّم الخيارات المتاحة، ثم اتخذ القرار الذي أصبح لاحقًا من أشهر عمليات الهبوط الاضطراري في تاريخ الطيران الحديث: الهبوط على نهر هدسون في الولايات المتحدة الأميركية. ونجا جميع من كانوا على متن الطائرة.
قد تبدو القصة حكاية عن الشجاعة والمهارة، لكنها تحمل درسًا أعمق: عندما تضيق اللحظة، تظهر قيمة الإنسان في قدرته على الحضور فيها.
وهنا تبدأ حكايتنا مع مفهوم أصبح يحظى باهتمام متزايد في علم النفس: اليقظة الذهنية؛ أي أن يكون الإنسان حاضرًا بوعي في اللحظة التي يعيشها، بدلًا من أن يتوزع انتباهه بين ما مضى وما لم يأتِ بعد. وهي ليست انعزالًا عن الحياة، ولا مجرد جلسة للاسترخاء، بل ممارسة تهدف إلى تدريب الانتباه وتعزيز الوعي بما نعيشه لحظة بلحظة.
وقد أظهرت دراسة أجراها الباحثان ماثيو كيلينغسورث ودانيال غيلبرت، ونُشرت في مجلة «ساينس» عام 2010، أن أذهان الناس كانت تسرح بعيدًا عن اللحظة التي يعيشونها في نحو 47 في المئة من وقت يقظتهم. ووجدت الدراسة ارتباطًا بين شرود الذهن وانخفاض مستوى السعادة. ويمكن القول إننا لا نخسر اللحظة دائمًا بسبب ضيق الوقت، بل أحيانًا بسبب غيابنا عنها.
ولعل هذا المعنى يجد صدى في الهدي النبوي؛ فقد ورد عن رسول الله ﷺ: «ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة، واعلموا أن الله لا يستجيب دعاءً من قلب غافل لاه». ويشير الحديث إلى أهمية حضور القلب ونبذ الغفلة، وهو معنى يمكن أن يلتقي، من زاوية مختلفة، مع جوهر اليقظة الذهنية: أن يكون الإنسان حاضرًا فيما يفعل ويقول.
وفي بيئة العمل، تتجاوز اليقظة الذهنية فكرة الهدوء إلى جودة الحضور. وتشير مراجعات علمية إلى أن بعض برامج اليقظة الذهنية يمكن أن تساعد في خفض التوتر وتحسين الانتباه وتنظيم الانفعالات. وفي بيئة تتسارع فيها المهام والقرارات، قد لا يكون الموظف الأكثر قيمة هو من يعمل ساعات أطول، بل من يمنح المهمة التي بين يديه كامل انتباهه.
أما في الحياة الاجتماعية، فقد نجلس مع من نحب، بينما أعيننا على الهاتف وعقولنا في مكان آخر؛ نسمع الكلمات ولا نصغي إليها، ونرى الوجوه دون أن نلتقط مشاعرها. وهكذا قد نكون حاضرين بأجسادنا، غائبين باهتمامنا.
ومن جهة أخرى، أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي منافسًا دائمًا على انتباهنا؛ فالإشعارات والمحتوى المتدفق والخوارزميات تستقطب أعيننا باستمرار. وليس المطلوب هجر التقنية، وإنما استعادة حقنا في اختيار متى ننتبه، ومتى نغلق الشاشة، ومتى نعطي الإنسان الذي أمامنا حضورنا كاملًا.
وفي النهاية، لا تعني اليقظة الذهنية أن نضيف مهمة جديدة إلى يومنا، بل أن نستعيد حضورنا في المهام التي نعيشها أصلًا؛ فربما لا نحتاج إلى وقت أكثر، بقدر ما نحتاج إلى وعي أكبر بالوقت الذي لدينا.
الحياة لا تحتاج منا أن نحضر أكثر، بل أن نكون أكثر حضورًا.
الجملة الذهبية
قد يحضر الإنسان بجسده في كل مكان، لكن قيمة حضوره تبدأ حين يحضر إليه بعقله وقلبه.
دفتر الكاتب
أحيانًا لا تكون المشكلة أننا لا نملك الوقت، وإنما أننا لا نكون موجودين فعلًا في الوقت الذي نملكه.



