أول ما يتبادر إلى الذهن أن الماء أساس الحياة، وهذا صحيح، لكنه ليس كافيًا لتفسير ازدهار الأمم. فالتاريخ يخبرنا أن كثيرًا من المناطق امتلكت موارد وفيرة، لكنها لم تبنِ حضارات مستدامة، بينما استطاعت مجتمعات أخرى، بموارد أقل، أن تصنع تاريخًا أطول؛ لأنها تعلمت كيف تدير ما لديها.
لعل أحد الفوارق بين المجتمعات في قدرتها على تحقيق التنمية لا يكمن في كمية ما تملك، بل في الطريقة التي تتعامل بها مع ما تملك. وهذه الفكرة لا تخص الماء وحده، بل تُعد قانونًا عامًا في الحياة؛ فهناك من يملك وقتًا كثيرًا ولا ينجز، ومن يملك معرفة واسعة ولا يضيف، ومن يملك إمكانات كبيرة، لكنها قد لا تُستثمر بكفاءة. وفي المقابل، هناك من يبدأ بإمكانات محدودة، لكنه يعرف كيف يستثمرها، فيصنع منها أثرًا يتجاوز حجمها.
ولهذا، لم تعد التنمية الحديثة تُقاس فقط بتوفير الموارد، وإنما بكفاءة إدارتها. ففي مراحل سابقة، كان النجاح يقاس بامتلاك الموارد واكتشاف المزيد منها، أما اليوم فأصبح يقاس بقدرة المجتمعات على تعظيم قيمة ما تملكه، وتقليل الهدر، وتحقيق الاستدامة. وهي نقلة من عقلية الوفرة إلى كفاءة الإدارة، ومن التفكير في احتياجات الحاضر إلى بناء قدرة تلبي احتياجاته وتحفظ حق المستقبل، الذي لم يكن يحظى بالقدر نفسه من الاهتمام في بعض المراحل السابقة.
ومن هنا، يبدو الماء مثالًا حيًا؛ فهو ليس أغلى الموارد سعرًا، لكنه من أقلها قابلية للاستبدال. يمكن للإنسان أن يطور مصادر جديدة للطاقة، وأن يستبدل مواد بأخرى، وأن يعيد تصميم كثير من أدوات حياته، لكنه لا يستطيع أن يستبدل الماء بوظيفة أخرى تؤدي الدور نفسه في استمرار الحياة.
لم يعد تقييم المجتمعات يعتمد فقط على ما تختزنه الأرض في باطنها أو تجود به السماء فوقها، بل أيضًا على ما تملكه من وعي وقدرة على إدارة تلك الموارد بمسؤولية، لتبقى مصدر حياة للأجيال القادمة.
@2khwater



