الغريب أن اليوم الأول من المدرسة لا يُنسى؛ ليس لأنه أول درس، بل لأنه أول شعور. ذلك الشعور يتسرّب خفيًا ليشكّل علاقة الإنسان بالتعلّم لسنوات. وهنا يبدأ السؤال: ماذا لو كانت البداية بهجة؟
المدرسة، في جوهرها، ليست مكانًا لتلقّي المعرفة، بل فضاءٌ لصناعة جودة الحياة. وما بين دمعة طالبة وابتسامة معلمة، تتحدّد ملامح الرحلة. لكنها لا تخص الطالبات وحدهنّ؛ بل تشمل كل طالب وطالبة يعبران البوابة بذات التوق.. وذات القلق.
فالطالب الذي يدخل مطمئنًا، مرحّبًا به، ويشعر بقيمة وجوده، لا يتعلّم فقط... بل ينتمي. والانتماء هو البوابة الأولى لكل تعلّمٍ عميق.
وليس هذا طرحًا إنشائيًا؛ إذ تشير الأدبيات التربوية إلى أن رفاه الطالب يرتبط بجودة تجربته التعليمية، وأن شعوره بالأمان والانتماء يعزّز قدرته على الفهم والتركيز. كما تشير الأدبيات التربوية إلى أهمية رفاه المعلم والعلاقة الإيجابية بينه وبين الطلاب في دعم جودة التعلّم.
إذا كنّا نقيس الدرجات بدقة.. فلماذا لا نقيس شعور الطالب؟
لسنا نسأل عن غياب الجهود، بل عن حضور هذا الجانب ضمن مؤشرات تقييم التجربة التعليمية: أين تُقاس سعادة الطالب ضمن منظومة التعليم؟
من هنا، لا يبدو اليوم الأول إجراءً إداريًا، بل لحظة تصميم. تصميم لتجربة مدرسية تبدأ بالترحيب لا بالرهبة، بالاحتواء لا بالتلقين، وبالبهجة لا بالصرامة الجافة. أن يُنادى الطالب باسمه، أن يُستقبل بابتسامة، أن يشعر أن هذا المكان خُلق له.. تفاصيل صغيرة تصنع فارقًا كبيرًا في جودة الحياة داخل المدرسة.
لكن السؤال الأعمق: هل تستمر هذه البهجة؟
فالبهجة التي لا تُصمَّم تتلاشى، والتي لا تُقاس تُنسى، والتي لا تتحول إلى ممارسة يومية تبقى لحظة عابرة. وهنا يتحول التحدي من «كيف نبدأ؟» إلى «كيف نستمر؟». الاستمرارية لا تُبنى بالشعارات، بل بمنظومة: معلم يُدعم رفاهه، وبيئة تُدار بوعي، وبرامج تُغذّي الشعور كما تغذّي المعرفة.
إن جودة الحياة في المدرسة لا تتحقق بمبادرات موسمية، بل بنهجٍ يعيد تعريف التجربة من الداخل، ويربط بين أداء الطلاب ورفاههم، وبين كفاءة المعلمين وشعورهم.
@raedaahmedrr



