لقد أتاح لنا العصر الرقمي وسيلة مختصرة جدًا لوضع حدّ لا يحتاج إلى خطب طويلة، ولا إلى تبريرات، ولا إلى نقاشات مستنزفة. ضغطة واحدة قد تقول ما تعجز عشرات الرسائل عن قوله. أن تضع «بلوك» لشخص يتجاوز حدود الأدب، أو يقتحم خصوصيتك، أو يستنزفك برسائل لا تنتهي، ليس ضعفًا، بل هو اعتراف ناضج بأن وقتك وطاقتك ومزاجك ليست ملكًا عامًا. فهناك من يعتقد أن القوة في الرد على كل إساءة، وتبرير كل موقف، والدخول في كل جدال، وإثبات أن الآخر مخطئ في تقدير الأمور، لكن النضج الحقيقي يقول شيئًا مختلفًا تمامًا عن ذلك؛ فليس كل معركة تستحق حضورك، ووقتك أثمن من أن تهدره في تعليم الآخرين معنى الأدب.
لكن هناك فرقًا مهمًا بين وضع الحدود وبين استخدام «البلوك» كرد فعل انفعالي، فالإنسان الناضج لا يحجب الآخرين لأن مزاجه تعكّر لدقائق، ولا يستخدم «البلوك» سلاحًا للابتزاز أو وسيلة لإثارة القلق، أو لمعاقبة شخص لأنه لم يمنحه ما يريد. فهناك فرق بين أن تقول: «أنا أحمي حدودي»، وأن تقول: «سأعاقبك لأنك لم تفعل ما أريد منك». الأول نضج، والثاني انفعال. وهنا يظهر الفرق بين العفوية والعشوائية في علاقاتنا؛ فالعفوية أن تتصرف بطبيعتك، مع احتفاظك بوعي كامل بحدود الآخرين، أما العشوائية فهي أن تجعل انفعالك قائدًا لتصرفاتك، ثم تبحث عن مبررات لها بعد أن تهدأ.
بعض الأشخاص لا يبحثون عن حوار، وإنما عن استجابة، وكلما أعطيتهم ردًا، منحتهم مساحة إضافية في يومك، ووقتًا إضافيًا من عمرك، ونافذة أخرى يدخلون منها إلى مزاجك. لذلك قد يكون «البلوك» في بعض الحالات وسيلة هادئة لوضع حدّ للتواصل، دون ضجيج أو جدال؛ ضغطة واحدة، فتعود إلى يومك الهادئ. وكما يقول المثل الشعبي: «الباب اللي يجيك منه الريح، سدّه واستريح».
ختامًا، لا بأس، أثناء الضغط على زر «البلوك»، أن تبتسم ابتسامة صغيرة وتحمد الله، امتنانًا لهذه الوسيلة التكنولوجية التي اختصرت علينا كثيرًا من الكلام. فالحدود ليست قسوة، والانسحاب ليس هزيمة، و«البلوك» ليس دائمًا كراهية، بل قد يكون إحدى الوسائل التي تساعد على حماية سلامك من الأذى والعبث.
ومضة:
أخلاق البدايات مهمة، لكن أخلاق النهايات هي المقياس الحقيقي للمعدن الأصيل.
@al_muzahem



