هل تسمح لهذا التطبيق بالوصول إلى موقعك؟ هل توافق على استخدام الميكروفون؟ هل تقبل بتخزين بياناتك؟ أسئلة تمرّ على المستخدم العادي يوميًا، وربما يوافق عليها دون أن يدرك أن وراءها شبكة ضخمة من الخوارزميات والمصالح التي تجعل من خصوصيته مادة للتداول، وموردًا للربح، وربما وسيلة للسيطرة.
في زمن الإعلام الجديد، لم تعد الخصوصية خيارًا، بل أصبحت تحديًا وجوديًا. فمنصات التواصل الاجتماعي لا تعمل بشكل خيري أو تطوعي، بل تعتمد في استمراريتها وربحيتها على ما يسمى بـ»اقتصاد البيانات»، حيث تُباع وتُشترى المعلومات الشخصية وتُستخدم لتوجيه الإعلانات، أو حتى صياغة المحتوى الذي يُعرض لك بشكل يُعيد تشكيل آرائك دون أن تشعر.
المشكلة الأكبر تكمن في أن كثيرًا من المستخدمين، خاصة في مجتمعاتنا العربية، لا يدركون حجم التنازلات التي يقدمونها عند استخدامهم هذه المنصات. فبمجرد نشر صورة شخصية، أو كتابة رأي، أو الضغط على زر إعجاب، تبدأ الخوارزميات ببناء بروفايل كامل عن شخصيتك: اهتماماتك، ميولك، علاقاتك، وربما حالتك النفسية والمادية.
الأمر لا يتوقف عند هذا الحد، بل إن بعض التطبيقات تتجسس حرفيًا على الأجهزة، وتصل إلى الكاميرا والميكروفون، أو تتبع الموقع الجغرافي لحظة بلحظة. ولا عجب أن يصبح المستخدم فجأة أمام إعلان عن منتج لم يبحث عنه أبدًا، لكنه تحدّث عنه قبل ساعات أمام هاتفه الذكي.
الخصوصية أيضًا لم تعد مسألة فردية فقط، بل أصبحت تحديًا مجتمعيًا وسياسيًا. فالدول نفسها تتعرض للاختراق من خلال بيانات مواطنيها، والشركات العملاقة تملك بيانات تفصيلية عن سلوك ملايين الناس في كل دولة، ما يثير مخاوف حقيقية بشأن الأمن السيبراني، والسيادة الرقمية.
ورغم أن بعض القوانين ظهرت في السنوات الأخيرة لتنظيم هذا الفضاء، مثل قانون حماية البيانات الأوروبي «GDPR»، فإن الغالبية العظمى من المستخدمين في العالم العربي لا يتمتعون بحماية مماثلة، ولا يعرفون حقوقهم الرقمية، بل وقد يستهينون بخطر التتبع الرقمي، ويرونه أمرًا عاديًا.
ومما يزيد الأمر تعقيدًا، أن بعض المستخدمين أنفسهم يُفرطون في مشاركة حياتهم اليومية، بل ويتفاخرون بكشف أدق تفاصيلهم، من أوقات النوم والاستيقاظ، إلى مواعيد السفر ومواقع الأبناء والمدارس.. كل ذلك بدعوى التواصل أو التوثيق، دون إدراك لحجم الضرر المحتمل، لا سيما مع وجود تطبيقات ومواقع تُستغل لأغراض خبيثة، من سرقة الهوية إلى الابتزاز.
في ظل هذا الواقع، أصبح من الضروري أن تتبنّى المجتمعات خطابًا تربويًا رقميًا، يبدأ من المدارس وينتقل إلى الإعلام والأسرة، يرسّخ قيم الحذر الرقمي، ويُعلّم الناس كيف يديرون حضورهم الافتراضي بذكاء، دون أن يتحوّلوا إلى سلعة أو هدف.
كما ينبغي للمؤسسات الإعلامية أن تسلط الضوء على هذه القضية بانتظام، وأن تخرجها من حيز النخبة التقنية إلى نقاش عام واسع، يفهم فيه المواطن خطورة ما يحدث، ويملك أدوات الدفاع عن خصوصيته.
الخصوصية ليست رفاهية، ولا ترفًا مدنيًا، بل هي حق إنساني أصيل، يجب أن نحميه كما نحمي بيوتنا، ومعتقداتنا، وأجسادنا. وفي عصر الإعلام الجديد، لا يكفي أن نغلق الباب، بل علينا أن نتعلم كيف نغلق «النافذة الرقمية» أيضًا، حتى لا نظل مكشوفين في زمن صار كل شيء فيه مراقبًا ومسجّلًا ومحسوبًا علينا.



