هناك لا أمشي وحدي؛ تمشي معي ذاكرة كاملة، لها خطوات ووجوه. تستقبلني التفاصيل بروائحها وأصواتها قبل الوجوه: الهيل والقرفة والزعفران، وعبق الجلد والبخور، ورائحة القماش الجديد، وطرق الحديد، وحركة الإبرة على زري البشوت. كل رائحة هنا، وكل صوت، مفتاح باب في داخلي. أغمض عيني لحظة، فأرى يدي الصغيرة معلقة بثوب أبي، وأسمع صوت المكيال على النحاس، وضحكة تاجر عرفني قبل أن أعرف نفسي.
في هذه الأزقة عشت منذ نعومة أظفاري، وعرفت أهلها وناسها وروادها، وتعلمت ما لم تعلّمه المدارس: أن البيع أمانة، وأن الكلمة عهد، وأن الإنسان يُعرف بما يلتزم به. رأيت من يبيع بالأجل لغريب لا يعرفه، ومن يترك بضاعته ويمضي إلى الصلاة. كانت الثقة آنذاك جزءًا من تفاصيل التعامل اليومي، وكانت العلاقات تمنح المكان معنى يتجاوز عملية البيع والشراء.
ثم جاء يوم التهمت فيه النار جزءًا من السوق، فكان وقع الحادث مؤلمًا على أهل المكان. وأعيد البناء، وعادت الحياة إلى تفاصيله المعتادة، لكن الذي عاد هو المكان لا الزمان؛ فالمكان يمكن ترميمه بالطين والخشب، أما الزمان فلا يُرمم بشيء.
وهنا يسكنني السؤال كلما وقفت في أحد الممرات: هل أشتاق إلى المكان، أم إلى نفسي فيه؟ الحجر باقٍ، أما كثير من الوجوه فقد غاب. ذلك العطار الذي كان يهديني حبة تمر كلما مررت، وذلك البائع الذي يعرف أهلي بالاسم، وأولئك الذين كانت لهم حكاياتهم اليومية. كانوا جزءًا من الذاكرة، لا مجرد عابرين في المكان.
لذلك، أقف أحيانًا عند محل صغير، وأشتري شيئًا لا أحتاج إليه، لا لحاجة، بل لأسمع لهجة تشبه لهجة والدي، وأعيد إلى لساني كلمات كادت تنساها الذاكرة. وأدفع الثمن وأنا أعلم أنني لا أشتري بضاعة بقدر ما أستعيد دقائق من زمن مضى ولن يعود.
ثم أخرج آخر النهار، وفي يدي كيس خفيف، وفي قلبي حمل ثقيل جميل. أخرج ممتنًا لا حزينًا، وراضيًا لا متحسرًا؛ لأن الأماكن التي تصنع جزءًا من ذاكرتنا لا تبقى خلفنا، بل تمضي معنا.
خلاصة القول: الأماكن تُرمم، والأزمنة لا تُرمم. فلا تنتظر أن يعود الزمن إلى المكان، بل احمل معناه في قلبك، وازرع ما فيه من قيم وذكريات في أبنائك، لتبقى الذاكرة حاضرة، حتى وإن تغيرت الأمكنة.
@Ahmedkuwaiti



