وفي أحد الأيام، لفتتني قراءة لدرجة الحرارة وصلت إلى إحدى وخمسين درجة! للحظة ظننت أن هناك خطأ في القراءة، أو أن عينيّ تأثرتا بحرارة الجو، ثم ما لبثت الدرجة أن عادت إلى الخمسين، وكأنها قررت أن تمنحني فرصة لاستيعاب الرقم بهدوء!
لا أنكر أنني كنت دائمًا أفضل الصيف على الشتاء، والتفضيل هنا لا يعني أنني أحب درجات الحرارة المرتفعة، بل لأنك في الصيف لا تتحول إلى «دب قطبي» صعب الحركة! كما أنني أحب قضاء أموري نهارًا، لكن هذا الصيف جعل الخروج في منتصف النهار قرارًا يحتاج إلى مبررات مقنعة!
ومن هنا وردني سؤال: كم مرة أسندت ظهرك إلى الوراء فجأة أمام صحوة أخبرتك أن شيئًا ما تغيّر؟ رغم أن هذا التغيير كان، حتى وقت قريب، من سابع المستحيلات؟
نحن نحب استخدام كلمة «مستحيل» بثقة، وكأننا حصلنا على ضمان أبدي بأن الأشخاص والظروف، وحتى نحن، سنبقى كما نحن. فنقول: مستحيل أن أترك، مستحيل أن أقبل، مستحيل أن أتراجع، ومستحيل أن أصبح ذلك الشخص الذي كنت أستغربه يومًا!
ثم يحدث موقف واحد فقط، فيعيد ترتيب كثير من هذه اليقينات. وليس بالضرورة أن يكون موقفًا عظيمًا؛ فقد تكون كلمة سمعتها، أو تصرفًا لم تتوقعه، أو خسارة، أو فرصة، أو حتى لحظة عادية جدًا اكتشفت فيها أنك لم تعد تريد ما كنت تريده بالأمس.
المثير أن الموقف أحيانًا لا يغيّر حياتنا بنفسه، بقدر ما يكشف لنا أن التغيير كان يتشكل منذ مدة، ونحن آخر من لاحظه! تمامًا كمن يصر على أنه ما زال يحب الصيف، ثم تأتيه خمسون درجة لتنتزع منه هذا الاعتراف! مثلًا!
ولعل أكثر ما يخيفنا في هذه الصحوات أنها تهز صورتنا القديمة عن أنفسنا؛ فنحن لا نغيّر رأيًا فقط، بل نضطر أحيانًا إلى الاعتراف بأن النسخة التي بنت ذلك الرأي لم تعد موجودة. ولهذا أصبحت أقل ثقة بكلمة «مستحيل»؛ ليس لأن كل شيء ممكن، بل لأننا لا نعرف الظروف التي سنقف أمامها غدًا، ولا الشخص الذي سنكونه وقتها.
بعض المواقف لا تأتي لتغيّر يومك، وإنما لتضع أمامك سؤالًا لم يخطر لك يومًا أن تجيب عنه.
وأنا مثلًا، احتجت إلى خمسين درجة كاملة لأعترف بأن علاقتي بالصيف لم تعد كما كانت!
أما بقية المستحيلات التي أعلنتها في حياتي سابقًا، فسأتركها بلا ضمانات.
@2khwater



