يُروى أن والت ديزني لم يستلهم فكرته من ترف الخيال، بل من موقف إنساني بسيط؛ حين كان يرقب ابنتيه تلعبان، وهو على هامش المشهد. عندها أدرك أن السعادة لا ينبغي أن تكون تجربةً جزئية، بل فضاءً مشتركًا يُصمَّم ليحتضن الجميع. ومن تلك اللحظة، وُلدت فكرة المكان الذي لا يُزار فحسب، بل يُعاش.
وتقول التجربة الإنسانية: إن السعادة لا تُبنى في المكان، بل في الإنسان الذي يعيشه. فالأمكنة، مهما بلغت من الجمال، تظل صامتة حتى تمر بها روحٌ قادرة على أن ترى، وتشعر، وتمنح اللحظة قيمتها.
حين سألتُ ابني محمد: «ما أسعد مكان في العالم؟»، أجاب: «إحدى رحلاتنا العائلية». لم يُسمِّ مكانًا بعينه، بل استحضر تجربة، وكأن الفطرة تختصر ما تقوله النظريات: السعادة ليست موقعًا، بل أثرًا.
وفي دائرتنا العائلية، تنوّعت الإجابات كما تتنوّع الأرواح؛ دولوميت في إيطاليا، وكريت اليونانية، وهدوء لاهاي، وسكينة كيوتو، وصلالة أرض الأصالة. لم تكن تلك الأماكن هي السعادة ذاتها، بل تجارب مختلفة احتضنت لحظات صادقة من الحضور.
شخصيًا، تنقّلت بين قارات ومدن؛ من صخب أمريكا إلى أناقة أوروبا، من ثراء الهند الثقافي إلى هدوء كندا.. رأيت أماكن تُصنَّف ضمن الأجمل عالميًا، غير أن السعادة لم تكن حكرًا عليها. وفي تجربتي مع شامونيه مون بلان، لم تكن الجبال وحدها ما أسرني، بل ذلك الشعور الخفي بين البياض والسكينة؛ حيث يبدو العالم أبطأ، وكأن المكان يهمس للروح أن تعود إلى بساطتها الأولى. وهنا يتردد في الذاكرة قول ابن زيدون: «واغتنم صفو الليالي... إنما العيش اختلاس».
ومن هنا يتبدّى المعنى الأعمق: إن صناعة «أسعد مكان» لا تتحقق بتكديس الجمال، بل ببناء تجربة إنسانية متكاملة، تُصاغ بعناية، وتُبنى على فهم عميق لاحتياجات الإنسان؛ راحته، ودهشته، وشعوره بالانتماء.
واليوم، لا تُقاس الدول بما تملكه من أماكن جميلة فحسب، بل بقدرتها على أن تجعل الإنسان فيها، أو الزائر إليها، أكثر سعادة. تلك هي المنافسة الحقيقية. وحين تُصمَّم الوجهات بروح إنسانية، لا تصبح السياحة مجرد قطاع اقتصادي، بل صناعة للسعادة، وامتدادًا حيًا لجودة الحياة.
وعندها فقط... لا نعود نتساءل: أين أسعد مكان في العالم؟ بل كيف نصنعه؟



