والحقيقة أن أسباب هذا الجفاء الاجتماعي، ونقص الدافعية نحو التفاعل الإيجابي، ليست سمات شخصية فقط؛ فقد يكون الشخص اجتماعيًا بطبعه، لكنه اختار الجفاء عن سبق إصرار، وتبنى أسبابًا وهمية للخروج عن شخصيته الحقيقية، منها تخيلات وأفكار سلبية تجاه المجتمع أو أشخاص معينين، أو حساسية مفرطة أدت إلى القطيعة بحجة الابتعاد عن أذى غير حقيقي رسخه في ذاكرته بناءً على مواقف قرأها بصورة سلبية، أو نتيجة اجتماعه بشخصيات تحمل الأفكار نفسها وتعززها. لذلك، تراه إما صامتًا لا يتحرك فيه إلا عيناه، أو غير متفاعل مع أي «سالفة»، وكأنه لا يسمع شيئًا. وربما يكون هؤلاء أهون حالًا ممن يقطع علاقاته ويفضل الوحدة على الاختلاط بمحيطه، ومن لهم حق عليه من كبار السن أو الأقارب والأرحام.
وإذا تُرك الإنسان أسيرًا لسوء الظن والانفعالات، فإنه يبني في داخله قصصًا قد لا يكون لها وجود في الواقع، فيفسر الكلمات على غير مقاصدها، ويمنح المواقف العادية أبعادًا أكبر من حجمها، حتى تتحول المسافات النفسية إلى قطيعة حقيقية. وكثير من العلاقات لم تنهها الأخطاء بقدر ما أنهتها التفسيرات الخاطئة، وغياب الحوار، والإصرار على الأحكام المسبقة، لذلك كان التثبت، وحسن الظن، والمصارحة الهادئة، من أهم أسباب دوام الألفة واستمرار المودة بين الناس.
وإن كان الإنسان الاجتماعي بطبيعته لا يسلم من كلمة من هنا أو هناك، فالاختلاط بالناس والاجتماع بمختلف الشخصيات والخلفيات يعرضه للنقاشات، واختلاف الآراء، والعتب، والذم أو المدح، لكنها في الغالب إذا قوبلت بسلام داخلي، وحسن ظن، وإحسان، تمضي ويبقى الود، فلا توجد مدينة فاضلة في الوجود. ومن اختار الحياة الاجتماعية والوصل، فعليه أن يكبر عقله، لا أن يتصيد للأشخاص في كل شاردة وواردة، فيتعب نفسه ويتعب الآخرين. وفي وصية لأحد كبار السن قال: لا تكن كثير العتب والتشكي، حتى لا يحمل من حولك همك ويثقل عليهم التعامل معك.
والحساسية المفرطة اليوم، وضيق أفق بعض الناس، وسرعة غضبهم، وسوء ظنهم، مقابل انفلات البعض الآخر دون حساب، واختلاف ردود الفعل، كلها عوامل قطعت العلاقات وقلصتها؛ فما يراه أحدهم أمرًا عاديًا وعابرًا، قد يفسره آخر على أنه جرح لا يبرأ.
أما سوء الظن فهو مقبرة العلاقات، وأكبر مدمر للروابط الاجتماعية والأسرية، وهو مهندس بناء الأوهام والشكوك، ووقود تحول المودة إلى بغضاء. فإذا أحسست ببادرة سوء ظن مع من تحب، فسارع إليه، واختلِ به، واجلس معه جلسة مصارحة، ودعه يخرج ما في جعبته من وساوس، وأقاويل، واستنتاجات بلا أدلة. فقد تخرج من تلك الجلسة بودٍ أكثر من ذي قبل، وقد تنقذ بها علاقة من عبث المخببين والمصطادين في الماء العكر. أما إن كان صديقًا ينكر وجود خلاف أو سوء فهم، فلن تصل معه إلى نتيجة، وحينها افرش سجادتك، وادعُ الله له أن يغسل سخيمة قلبه.



