إن الفراغ من أخطر التحديات التي تواجه الشباب، فالعقول التي لا تُشغل بما ينفع قد تنشغل بما لا يفيد، والوقت الذي لا يُستثمر في بناء الإنسان قد يضيع دون أثر. ولذلك، فإن الإجازة الصيفية تمثل فرصة ذهبية لاكتشاف المواهب، وصقل المهارات، وتعزيز القيم، وتنمية الطموحات.
ومن أجمل ما يمكن أن يُقدَّم للأبناء خلال هذه الفترة الالتحاق بالدورات التدريبية المتخصصة التي تنمّي مهاراتهم في مجالات التقنية، والذكاء الاصطناعي، واللغات، والإدارة، وريادة الأعمال، والمهارات الحياتية، فالعالم اليوم لا ينتظر المترددين، بل يفتح أبوابه للمبدعين وأصحاب المهارات والمعرفة.
كما تلعب الأندية الرياضية دورًا مهمًا في استثمار أوقات الشباب، فهي لا تبني الأجسام فحسب، بل تغرس قيم الانضباط، والالتزام، والعمل الجماعي، وروح المنافسة الشريفة، وتسهم في تعزيز الصحة البدنية والنفسية، وتُبعد الأبناء عن العادات السلبية التي قد تنشأ نتيجة الفراغ الطويل.
ولا يقتصر الأمر على التدريب والرياضة فقط، بل تمتد الفرص إلى العمل التطوعي، والمشاركة المجتمعية، والأنشطة الثقافية، والقراءة، فالقراءة تفتح آفاق الفكر، والتطوع يبني روح المسؤولية، والمشاركة المجتمعية تعزز الانتماء للوطن، وتمنح الشباب خبرات حياتية لا تُقدَّر بثمن.
إن الأمم المتقدمة لم تصل إلى ما وصلت إليه إلا لأنها أدركت أن الاستثمار الحقيقي يبدأ من الإنسان، وأن بناء العقول أهم من بناء المباني، وأن كل ساعة يقضيها الشاب في التعلم، والتدريب، واكتساب الخبرة، هي لبنة جديدة في مستقبل وطنه.
وفي المملكة العربية السعودية، تتناغم هذه الرؤية مع أهداف رؤية السعودية 2030 التي جعلت من تنمية الإنسان وتمكين الشباب محورًا أساسيًا في مسيرة التنمية الوطنية، حيث وفرت الدولة -حفظها الله- برامج ومبادرات ومنصات متنوعة تستهدف تطوير مهارات الشباب، وإعدادهم للمستقبل، وتمكينهم من الإسهام الفاعل في بناء وطنهم.
ولعل الرسالة الأهم لكل أب وأم هي أن الإجازة ليست فترة للتوقف عن التعلم، بل فرصة للتعلم بطريقة مختلفة. فالشهادة الدراسية مهمة، لكن المهارة، والخبرة، والثقة بالنفس لا تقل أهمية عنها. وكل يوم يمضي في الإجازة يمكن أن يكون خطوة نحو تحقيق حلم أكبر، ومستقبل أجمل.
فلنجعل من هذا الصيف موسمًا للإنجاز، ومن أوقات أبنائنا استثمارًا في العلم، والمعرفة، والرياضة، والقيم، والعمل التطوعي، حتى يعودوا مع نهاية الإجازة أكثر وعيًا، وثقةً، وخبرةً، واستعدادًا لمستقبل واعد.
فالإجازة الحقيقية ليست في كثرة ساعات الراحة، بل في حجم الأثر الذي نتركه في أنفسنا ونحن نستثمر أوقاتنا فيما ينفعنا وينفع أوطاننا.
Mohd_alhajry@



