وأتطرق بشكل سريع فيما يلي إلى عدد من الأمثلة، فإذا كان الهدف هو الوصول إلى الحل الأمثل «Optimization» لجداول توزيع الموارد، فإن أفضل تقنية لذلك هي البرمجة الخطية «Linear Programming»، وهي تحويل المشكلة إلى معادلات رياضية ثم البحث عن أفضل حل يُعظِّم تحقيق الهدف المنشود «Objective Function» ضمن القيود المُعَرَّفة «Constraints». وفي المشكلات المتعلقة بتوقع نتائج محددة، سواء كانت رقمية أو تصنيفية، فإن تعلم الآلة المُوجَّه «Supervised Machine Learning» قد يكون الأفضل، عن طريق تطوير نموذج إحصائي يتعلم من بيانات تاريخية موثوقة، مصنفة ومنظمة «Labeled Structured Data»، لتوقع النتائج التي نحتاجها. وإذا كانت لدينا إشكالية في سرعة إصدار تقارير كتابية أو مراجعة لوائح والتأكد من اتساقها، فإن نماذج الذكاء الاصطناعي التوليدي هي الأفضل للاستعمال.
أما في مجالات أتمتة الأعمال، فنجد أن البرمجة التقليدية هي نقطة البداية إذا كانت تتبع قواعد محددة مسبقًا. وتُسهم نماذج الذكاء الاصطناعي التوكيلي «Agentic AI» في الأتمتة الأكثر تعقيدًا، مثل الخطوات التي تحتاج إلى قراءة نصوص. كما يبرز دور متنامٍ لنماذج الذكاء الاصطناعي التوليدي في المساعدة على البرمجة ذاتها. مع التأكيد على أهمية التدخل البشري عند التعامل مع الذكاء الاصطناعي، حيث إن احتمالية الخطأ فيه قد تصبح أعلى بكثير مقارنة بالبرمجة التقليدية، لاعتماده بشكل رئيسي على نماذج إحصائية، وليس قواعد ثابتة.
بناءً على ما سبق، تتأكد أهمية الانطلاق من المشكلة وليس التقنية، فالعديد من التقنيات، وإن كانت جذابة وبراقة، قد تفشل في اختبار التطبيق العملي. ومن الأمثلة الحديثة ما يتردد في الأخبار عن التراجع الكبير في تبني تقنية العالم الافتراضي أو الميتافيرس «Metaverse»، التي كانت تعمل على تطويرها شركة فيسبوك، وأعادت تسمية الشركة في عام 2021م إلى «ميتا» -كالشركة الأم لفيسبوك- دلالةً على أهمية التقنية في المستقبل. وكانت لديها طموحات هائلة لهذه التقنية، من الوصول إلى مليار مستخدم ومليارات من التجارة الإلكترونية، ويبدو لي أن استعمالات التقنية المستقبلية ستنحصر غالبًا في مجالات الترفيه والألعاب الإلكترونية، وقد يمتد ذلك إلى بعض المجالات التدريبية والصناعية المحدودة، بدلًا من كونها تقنية واسعة الاستعمال في مجال الأعمال. ومثال آخر شهير كذلك هو تقنية «سلسلة الكتل» أو البلوكشين -Blockchain-، فبعد نجاح استعمالها في البيتكوين والعملات الرقمية، فهي تقنية مفيدة عند تعدد الأطراف وعدم وجود جهة مركزية تنظم أو تشرف على المعاملات، لكن تطبيقاتها محدودة جدًا داخل مؤسسة أو شركة.
وختامًا، فمع ضرورة متابعة التقنيات الحديثة للمتخصصين والمهتمين لفهم كيفية استعمالها وتجربتها، علينا أن نتذكر دائمًا أن استعمالها وسيلة وليس غاية، وألا يتحول ذلك إلى أن نصبح كما في المقولة الشهيرة: «مطرقة تبحث عن مسمار»!
@AlQurtas



