فهمتُ لاحقًا أن السفر ليس مسافةً نقطعها، بل خطوةٌ تُبعد النفس قليلًا عن مكانها المألوف. فالروتين لا يبني حولنا جدرانًا قاسية، بل جدرانًا ناعمة نحبها ونألفها، حتى نظن أن حدود غرفتنا هي حدود الدنيا. ثم نخرج، فنكتشف أن للحياة لغاتٍ أخرى، وأن للفرح طرقًا لم نجربها.
العقل يحب الجديد. أعطه المشهد نفسه كل صباحٍ يذبل، وأعطه شارعًا غريبًا ووجوهًا لم يرها من قبل، يستيقظ. فالإبداع لا ينبت في فراغ، بل يتغذى على ما نراه ونسمعه ونعيشه. وأنا، حين أكتب مقالاتي، أجد أن أجمل الأفكار جاءتني في الطريق: في مقعد طائرة، أو على رصيف مدينةٍ لا أعرف أسماء شوارعها.
وفي تراثنا ما هو أبلغ: «فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ»، أمرٌ يجمع بين متعة النظر وفريضة التفكر. والشافعي، حين عدَّ فوائد الأسفار خمسًا، لم يكن يتحدث عن ترف، بل عن مدرسةٍ تمشي مع صاحبها، تشد همته، وتوسع رزقه، وتفتح له باب المعرفة.
غير أن السفر ليس وصفةً سحرية. فكم من إنسانٍ عبر القارات، وعاد كما ذهب، لأنه حمل نفسه القديمة في حقيبته، وأغلق نافذة الفضول. فالحقائب تحمل الثياب، والقلب يحمل التجربة. وكم من رحلةٍ قصيرة إلى قريةٍ قريبة غيّرت صاحبها، لأنه ذهب بعينٍ تسأل، وقلبٍ يصغي. فالمقياس ليس طول الطريق، بل عمق التجربة؛ إذ إن السفر لا يعطينا شيئًا لم نستعد لاستقباله.
نحتاج إلى السفر حين يتجمد التفكير، وحين تجهز إجاباتنا قبل أن تُطرح الأسئلة، وحين يصبح يومنا نسخةً باهتة من أمسه. عندها لا يكون الخروج ترفًا، بل دواء. نسافر لنرى أنفسنا في مرآةٍ جديدة، ونعود أكثر تواضعًا أمام اتساع العالم، وأكثر رحمةً بمن يختلفون عنا. وقد نكتشف أن ما ظننّاه قاعدةً ثابتة لم يكن سوى عادةٍ صغيرة تعودنا عليها.
خلاصة القول: قيمة السفر ليست في الأميال التي نقطعها، بل في الجدران التي تسقط داخلنا. سافر ولو قليلًا، وانظر ولو قريبًا.
@Ahmedkuwaiti



