ويأتي عامل آخر لا يقل أهمية، وهو إدراك أن الشغف وحده لا يصنع النجاح. فكم من شاب أحب تخصصًا، لكنه لم يمتلك الاستعداد العلمي والمهاري الذي يؤهله للتميز فيه، فتحول الحماس إلى معاناة. وفي المقابل، نجد من اكتشف قدراته في مجال لم يكن ضمن خياراته الأولى، فإذا به يبدع فيه. فالشغف يوقظ الرغبة، أما المهارة فهي التي تحفظ الاستمرار.
ولهذا، فإن اختيار التخصص لا ينبغي أن يكون استجابة لرغبة عاطفية أو لاسم لامع، وإنما يجب أن يُبنى على معرفة دقيقة بالذات، والقدرات، والميول، وما تتطلبه المهنة من مهارات ومسؤوليات. فالإنسان لا ينجح لأنه أحب المجال فحسب، وإنما لأنه امتلك أدوات النجاح فيه.
وتأتي الأسرة، بدافع المحبة والحرص، بوصفها أحد أكثر العوامل تأثيرًا في اختيار التخصص. ولا شك أن للوالدين دورًا مهمًا في الإرشاد، لكن الحرص شيء، وفرض المسار شيء آخر. فليس من الحكمة أن يُدفع الابن إلى تخصص لا يرى نفسه فيه. إن دور الأسرة هو توسيع آفاق الأبناء، ومناقشة الخيارات معهم، أما الاختيار النهائي فينبغي أن يكون ثمرة قناعة، لأن الابن هو من سيعيش سنوات الدراسة ثم يمارس المهنة بقية عمره.
أما المجتمع، فلا يزال في كثير من الأحيان يمنح بعض التخصصات مكانة تفوق غيرها، وكأن قيمة الإنسان تُقاس باسم الشهادة لا بما يقدمه من أثر. وهذه النظرة لم تعد تتوافق مع واقع العصر، فنهضة المجتمعات تقوم على تكامل التخصصات، واحترام كل من يتقن عمله.
وتزداد أهمية حسن اختيار التخصص في ظل الأنظمة الجامعية الحديثة، التي تجعل التحويل بين التخصصات خاضعًا لضوابط أكاديمية ومعدلات تنافسية. وهنا يصبح القرار الأول أكثر حساسية، لأن التراجع عنه ليس دائمًا ممكنًا. وقد يجد الطالب نفسه مضطرًا إلى الاستمرار في تخصص لا ينسجم مع ميوله أو قدراته، فيتراجع دافعه للتعلم. ومن هنا، فإن حسن الاختيار قبل الالتحاق بالجامعة أكثر قيمة من البحث عن حلول بعد الوقوع في اختيار غير مناسب.
ويفرض الواقع المعاصر بُعدًا آخر يتمثل في التحولات المتسارعة التي يشهدها سوق العمل؛ فالذكاء الاصطناعي، والاقتصاد الرقمي، والتقنيات الحديثة تعيد تشكيل المهن وتوجد تخصصات جديدة، مما يستدعي نظرة مستقبلية تتجاوز احتياجات اليوم إلى متطلبات الغد.
إن القرار الرشيد لا يقوم على سؤال: ماذا أحب؟ أو ماذا يريد والداي؟ أو ما أكثر التخصصات طلبًا؟ بل يقوم على معادلة تجمع بين الميول، والقدرات، والاستعداد المهاري، والفرص المستقبلية، مع الاستفادة من الإرشاد الأكاديمي والاختبارات المهنية.
@Mshayaa45



