لو قُدِّم لك قلم وورقة بيضاء، وقيل لك: اكتب عشرة أعمال فعلتها في حياتك يبقى أثرها بعد رحيلك، ويستمر أجرها لك، ولا يُشترط أن يعرفها الناس، فالمهم بقاء الأثر، فهل تجد في مسيرتك ما يملأ ذلك الفراغ؟
تمضي سنوات العمر سريعًا، فمن الحكمة أن يزيد الإنسان عمره بأعمال صالحة يبقى أثرها ويستمر أجرها بعد مماته، فليس كل من انتقل من الفانية إلى الباقية انقطع أثره، فهناك من رحل وبقيت حسناته تتجدد مع كل نفع صنعه، وكل علم نشره، وكل تربية صالحة غرسها. فالإنسان قد يوارى في التراب، لكن أثره قد يظل حيًا في حياة الناس سنين طويلة.
ما يستحق التأمل حقًا هو أن يسأل كل واحد منا نفسه: لو انتهت حياتي اليوم، ماذا سيبقى مني غدًا؟ هذا سؤال ينبغي ألا يُؤجل، بل جدير بأن يكون نقطة انطلاق لرسم أهداف تصنع أثرًا بعد الرحيل. فقد يعيش الإنسان سنوات معدودة ويترك أثرًا يمتد لعشرات السنين، وقد يعيش عمرًا طويلًا ثم يرحل، ولا يبقى من عمله ما ينفعه.
قد يخطر ببالك أن المقصود هو الأوقاف الخيرية، لكن الأمر أشمل من ذلك، مع عظم شأنها. فتربية الأبناء على الصلاح بصمة باقية، وتعليم القرآن والعلم النافع والأخلاق الحسنة خير مستمر، والإصلاح بين المتخاصمين عمل عظيم، ونشر فكرة نافعة تُغيِّر المجتمع نفع ممتد، وغرس شجرة مثمرة صدقة جارية. ففي كل عمل صالح يمتد نفعه أجر لا ينقطع بإذن الله تعالى.
أعمارنا قصيرة، والأشغال كثيرة، لذلك لا بد أن نحدد أهدافًا يبقى أثرها بعد رحيلنا، فلنخطط من اليوم لعمرنا الثاني، الذي لا نعيشه بأجسادنا، بل تعيشه أعمالنا.
فالعمر الحقيقي ليس ما نعيشه من سنوات، بل ما يبقى لنا من أثر بعد الرحيل.



