رجل تجاوز السبعين، أنهكه المرض، لكنه كان يحتفظ كل صباح بسؤال يوجهه إلى الممرض:
«ما جاء أحد يسأل عني؟»
فيجيبه الممرض بلطف: «إن شاء الله اليوم يجون»، فيبتسم الرجل ويعود بعينيه إلى الباب.
في مساء أحد الأيام، ساءت حالته، وكثرت الأجهزة والأطباء حول سريره، وأصبح النفس الذي دخل رئتيه طوال سبعين عامًا يحتاج إلى جهاز يساعده على الاستمرار.
وقبل أن يغيب عن الوعي، نظر إلى الباب للمرة الأخيرة، ثم سأل الممرض بصوت بالكاد يُسمع:
«ما حد اتصل فيني أو جاني؟»
هذه المرة لم يجد الممرض جوابًا.
وفي ساعة متأخرة من الليل، توقف قلب الرجل، وأغمض عينيه اللتين ظلتا طوال أيام تنتظران أن يفتح ذلك الباب وجهًا يعرفه.
جاء الجميع بعدما أغمض عينيه.
في الصباح، امتلأ الممر، وجاء الأبناء والبنات والأحفاد والأقارب، وارتفعت أصوات البكاء، وبدت علامات الصدمة على الوجوه.
أحدهم يقول إنه كان ينوي زيارته اليوم، وآخر يقول إنه لم يتوقع أن يرحل بهذه السرعة، وكأن الموت مطالب بأن يخبرنا بموعده حتى نجد وقتًا لمن نحب.
اقترب أحد أبنائه من السرير، وأمسك يد أبيه الباردة، وبكى، ثم ناداه:
«يابوي..»
لكن الأب الذي انتظر هذه الكلمة أيامًا لم يعد يسمعها.
وقبّل رأسه، وقال له كلمات كثيرة من الحب والاعتذار والندم؛ كلمات كان يمكن أن تُقال بالأمس، لكن الأمس انتهى.
والمؤلم أن الأب لم يكن يريد منهم مالًا، ولا هدية، ولا شيئًا من الدنيا. كان يريد وجهًا يحبه قبل أن يغمض عينيه، وصوتًا يعرفه وسط أصوات الأجهزة، وأن يشعر بأن الذين أفنى عمره من أجلهم ما زال لديهم متسع صغير له في زحام حياتهم.
نحن لا نهمل من نحب دائمًا لأننا لا نحبهم، بل لأننا نطمئن إلى وجودهم. نعتقد أن الأب سيبقى، وأن الأم ستفتح الباب غدًا، وأن الصديق يمكن الاتصال به لاحقًا، وأن الاعتذار والزيارة يمكن تأجيلهما.
لا تجعلوا المستشفيات تجمعكم بمن تحبون، ولا تجعلوا المرض يذكّركم بمن تأخرتم عن السؤال عنهم.. بعض الزيارات لا تؤجل، وبعض الكلمات إذا تأخرت لا يسمعها أصحابها.
@alsyfean



