ولنبدأ بما يتفق عليه الجميع، وهو أن وسائل التواصل تشكل خطراً حقيقياً على الصحة النفسية للأطفال. فهي مصممة لإبقائهم أمام الشاشة أطول وقت ممكن، وتعرضهم لمحتوى مؤذٍ، من التنمر إلى التحريض على اضطرابات الأكل وإيذاء النفس والعنف، وزاد الأمر تعقيداً مع انتشار المحتوى المصنوع بالذكاء الاصطناعي. وحين يؤيد تسعة من كل عشرة آباء فرض قيود، فإن ذلك يعكس شعورهم بالعجز عن حماية أبنائهم أكثر مما يعبر عن تأييد مطلق للمنع.
ومع ذلك، فمن الخطأ التقليل من حجج المؤيدين للحظر؛ فهم يرون أن الضرر جماعي، وأن الطفل الذي يبتعد وحده عن المنصات قد يجد نفسه معزولاً عن أقرانه، كما أن التطبيقات صممت لتكون شديدة الجاذبية، ما يجعل مطالبة الطفل بضبط نفسه أمراً بالغ الصعوبة. ومن هنا يبدو المنع الجماعي حلاً يخفف العبء عن الطفل والأسرة.
ولكن هذه الحجة تكشف في الوقت نفسه موطن الخلل؛ فإذا كان أصل المشكلة هو تصميم التطبيقات، فإن المنع يعاقب الطفل ويترك الشركات من دون مساءلة. فهو يغلق الباب أمام الصغار، لكنه لا يغير شيئاً في طبيعة المنصات، ليجد الشاب نفسه بعد بلوغه السن المسموح بها أمام البيئة ذاتها من دون إعداد كافٍ.
ثم يبرز تحدي التطبيق؛ فالتحقق من العمر ليس بالأمر السهل، إذ يمكن الالتفاف عليه بحسابات وهمية أو بالانتقال إلى منصات أقل رقابة. كما أن نجاح المنع يتطلب إنشاء نظام واسع للتحقق من أعمار جميع المستخدمين، وهو ما يثير تساؤلات تتعلق بالخصوصية.
ويبقى جوهر الأزمة في أن الشركات تجني أرباحاً ضخمة من زيادة وقت استخدام المنصات، ثم تتنصل من مسؤولية تصميم تطبيقاتها وتنقية محتواها. والمنع وحده قد يخفف الضغط عنها، وينقل العبء إلى الآباء والمدارس، بينما تبقى التطبيقات على حالها.
أما الحل الحقيقي، فيبدأ بإلزام الشركات قانوناً بالحد من الخصائص المسببة للإدمان، كالتمرير المستمر والإشعارات المتواصلة والخوارزميات التي تدفع نحو المحتوى المتطرف، مع فرض غرامات تجعل الإهمال أكثر كلفة من الإصلاح. كما يتطلب تعزيز التوعية الرقمية في المدارس، وتزويد الأسر بأدوات رقابة سهلة وفعالة داخل التطبيقات، وإشراك الأطفال أنفسهم في الحوار. ومن المقبول أن يكون تحديد سن معينة جزءاً من هذه المنظومة، لكنه لا ينبغي أن يكون الحل الوحيد.
ويزيد الأمر تعقيداً أن بريطانيا تسعى إلى إقرار هذه التغييرات خلال أشهر، استناداً إلى تجربة أسترالية ما زالت حديثة ولم تتضح نتائجها بعد، ما يجعل التريث في تقييمها خياراً أكثر حكمة قبل البناء عليها.
وخلاصة القول: إن الأطفال يستحقون حماية ذكية تحاسب الشركات، وتدعم الأسرة، وتؤهل المستخدم، لا منعاً يكتفي بإغلاق الباب ويظن أن المشكلة قد حُلّت.



