مع إثبات خطأ مالتوس من خلال الثورة الصناعية وتحسينها للإنتاجية في استغلال الموارد الطبيعية، استمر مؤيدو الفكرة في رؤية حتمية حصولها، وإن تأخرت بسبب تقدم تقني غير متوقع. وهذا ما دعا أستاذ الاقتصاد في جامعة ماريلاند جوليان سايمون -Julian Simon- إلى تقديم رد على مالتوس وأتباعه، ويرى أن البشر هم أفضل «الموارد»، ومع أن تكاثرهم يولد تحديات جديدة، إلا أنهم قادرون على إبداع تقنيات أكثر تقدمًا لمواجهتها. ونجد أصداء هذا النقاش اليوم في كيفية الاستجابة للتغير المناخي، بين التعويل على التقدم التقني المستقبلي، أو إجراءات قد يصح وصفها بالوقوع في الفخ المالتوسي!
يؤكد ما سبق أهمية الإبداع البشري، وفي كتابه «المتميزون» -Outliers-، يستقصي الكاتب مالكوم جلادويل سير عدد من أبرز المبدعين، وينظر إلى عدد من الجوانب التي ساعدتهم على النجاح والتميز في مختلف المجالات التجارية والعلمية والرياضية والفنية. ويؤكد وجود موهبة لديهم، إضافة إلى الظروف المناسبة، لكن أهمها في وجهة نظره هو الاستعداد عن طريق التدريب لاغتنام هذه الفرص. ويبني على نتائج بعض الدراسات ليقدر أن كل منهم مارس حرفته لأكثر من 10.000 ساعة ليصل إلى مرحلة الإتقان في مجاله. بالطبع، لا ينبغي أن يؤخذ عدد الساعات كرقم ثابت، وإنما هو تأكيد لأهمية التعلم بالممارسة في مختلف المجالات.
أما كتاب «تدفق الأفكار» -Ideaflow-، فيقرر مؤلفاه حيريمي أوتلي -Jeremy Utley- وبيري كليبان -Perry Klebahn- - الأستاذان في جامعة ستانفورد - أن أفضل طريقة للإبداع هي توليد عدد كبير جدًا من الأفكار، وليس التركيز على تطوير أفكار محدودة ذات جودة أعلى! وأننا نحتاج عادةً إلى توليد حوالي 2000 فكرة للحصول على فكرة واحدة عظيمة، وهذا المعدل يختلف بين المجالات بطبيعة الحال. كما يؤكدان على أن هذا يجب أن يكون مقرونًا بمنهجية واضحة لاختبار الأفكار ونجاحها، وهو بلا شك كذلك نوع من التعلم بالممارسة.
ومن خلال ما سبق، يجب ألا نستسلم لتشاؤم «مالتوسي»، أو الاعتماد المطلق على وجود «عباقرة» ليتمكن الإبداع البشري من تجاوز كبرى المشكلات التي تواجهنا، لكنه يحتاج إلى المثابرة من خلال التعلم بالممارسة على مستوى الأفراد والمؤسسات لتحقيق التقدم المنشود -بعد توفيق الله-. كما أن أدوات الذكاء الاصطناعي سوف يكون لها دور محوري في توليد الأفكار واختبارها بشكل أسرع وأكثر كفاءة.
@AlQurtas



