نبرع في هندسة الصورة التي نهديها للعالم، ونغفل أن للروح عينًا لا تخطئ. ترى ارتباك النوايا، وندوب الكبرياء، وصمت الاعتذارات المؤجلة. وأمامها تتساقط الأقنعة دون ضجيج، ويغدو الإنسان عاريًا من كل ادعاء..!!
الروح ليست صفحةً بيضاء، بل مخطوطة كُتبت بحبر الأيام، فيها آثارُ من عبروا حياتنا، ونداءاتٌ لم يسمعها أحد، وأحلامٌ انطفأت قبل أن ترى النور، وأخرى ما زالت تتقد تحت رماد الانتظار، وكل موقف نعيشه يترك بصمته عليها؛ فإما أن يضيف إليها ضوءًا، أو يورثها شيئًا من العتمة..!!
ولعل أخطر ما يصيب الإنسان ليس أن تنكسر صورته أمام الناس، بل أن تتحطم صورته في داخله. حينها يصبح التصفيق ضجيجًا، والمديح صدىً أجوف؛ لأن الروح تعرف الحقيقة، فلا يغريها بريق العناوين، ولا تخدعها بهرجة المظاهر..!!
نحتاج بين حين وآخر إلى جلسةٍ صامتة مع ذواتنا، لا لنُحصي أخطاء الآخرين، بل لنقرأ ما كتبته الأيام في أعماقنا. فبعض الأرواح لا يرهقها التعب، بل يرهقها التظاهر، وبعض القلوب لا يثقلها الفقد، بل يثقلها ما عجزت عن البوح به..!!
وحين تصبح الروح مرآةً صافية، ترى العالم بعينٍ مختلفة، تتسع للتسامح دون ضعف، وللرحمة دون انتظار مقابل، وللصدق دون خوف. عندها فقط يدرك الإنسان أن أعظم انتصار ليس أن يُبهر الآخرين، بل أن يستطيع النظر إلى نفسه دون أن يُشيح ببصره..!!
فالمرآة التي تستحق أن نقف أمامها كل يوم ليست تلك المعلقة على الجدار، بل تلك المعلقة في أعماقنا؛ لأنها وحدها لا تعرف المجاملة، ولا تُجيد الكذب..!!
شمعة مضيئة:
لعل أجمل ما نتعلمه مع مرور العمر أن الروح لا تحتاج إلى مرايا تُزيّنها، بل إلى صدقٍ يُصفّيها. فكلما ازداد الإنسان صفاءً في داخله، غدا أقلَّ حاجةً إلى إثبات ذاته للآخرين، وأكثر قدرةً على مصافحة الحياة بقلبٍ مطمئن..
ولعل أجمل ما يكتشفه الإنسان في رحلته مع نفسه أن السلام لا يُمنح من الخارج، بل يولد من مصالحةٍ صادقة مع الداخل. فكلما أصلح ما بينه وبين روحه، خفَّت وطأة الضجيج من حوله، ولم يعد يبحث عن قيمته في أعين الناس، بل وجدها في صفاء ضميره واستقامة قلبه..
فالحياة لا تُقاس بعدد الوجوه التي صفقت لنا، بل بعدد المرات التي استطعنا فيها أن نكون صادقين مع أنفسنا، حتى في اللحظات التي لم يكن يرانا فيها أحد. عندها فقط تصبح مرآة الروح أكثر نقاءً، ويغدو الإنسان مطمئنًا؛ لأنه لم يعد يعيش ليبدو كما يريد الآخرون، بل كما يرضى هو عن نفسه أمام الله، وأمام ضميره. فحافظوا على مرايا الروح النقية..
من محطة مرايا الروح.. حديث الداخل أُحدثكم.. قلمــي
[email protected]



