ليست كل العيون ترى المشهد ذاته، فبين شخصٍ وآخر قد تتحول الحقيقة نفسها إلى صورتين مختلفتين. أحدهما يرى في الناس حسن النية حتى يثبت العكس، وآخر لا يرى إلا الريبة والشك، وكأن العالم بأسره يتآمر عليه. وبين هذين المنظارين، يطل المتنبي بحكمة تجاوزت زمانها، إذ يقول:
«إذا ساء فعلُ المرءِ ساءت ظنونُهُ
وصدَّق ما يعتاده من توهُّمِ»
لم يكن المتنبي يصف نزعة عابرة، بل لامس حقيقةً نفسيةً واجتماعيةً لم يبدأ العلم في تفسيرها إلا بعد قرون. فالإنسان لا ينظر إلى الآخرين دائمًا كما هم، وإنما كما هو؛ فحين تمتلئ النفس بالريبة، تصبح أكثر استعدادًا لقراءة النيات قراءةً سوداء، وحين يثقل الضمير بأخطائه، يغدو الشك أقرب تفسير لكل تصرف يصدر عن الآخرين.
ويفسر علم النفس هذه الظاهرة بمفهوم الإسقاط النفسي، وهو ميل الإنسان إلى أن ينسب إلى غيره الدوافع أو الصفات التي يعجز عن الاعتراف بها في نفسه. وتشير الجمعية الأمريكية لعلم النفس إلى أن هذا النمط من التفكير يحدث غالبًا بصورة غير واعية، فيتحول إلى عدسة تشوه الواقع أكثر مما تكشفه. ولهذا فإن كثيرًا من الأحكام التي نظنها وصفًا للآخرين قد تكون في حقيقتها وصفًا خفيًا لأنفسنا.
ولا يقف الأمر عند هذا الحد، بل يتعزز بما يعرف بالتحيز التأكيدي، وهو ميل العقل إلى البحث عما يؤيد قناعته المسبقة، مع تجاهل ما يناقضها. وقد خلصت مراجعة علمية نشرها الباحث ريموند نيكرسون في دورية مراجعة علم النفس العام إلى أن هذا التحيز من أكثر الانحيازات المعرفية شيوعًا وتأثيرًا في أحكام البشر. وهكذا، يكفي أن يقتنع المرء بأن الناس مخادعون، حتى يبدأ في تفسير كل تصرف بريء على أنه دليل جديد يؤكد اعتقاده.
أما على المستوى الاجتماعي، فإن الثقة ليست فضيلة أخلاقية فحسب، بل موردٌ حضاري. وتشير تقارير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية إلى أن ارتفاع مستويات الثقة بين أفراد المجتمع يرتبط بزيادة التعاون، وتحسن جودة الحياة، وارتفاع المشاركة المجتمعية. وفي المقابل، فإن انتشار سوء الظن يضعف الروابط الإنسانية، ويستنزف الطاقات في الدفاع والارتياب بدلًا من البناء والتعاون.
والأخطر من ذلك أن أصحاب الظنون السلبية قد يصنعون الواقع الذي يخشونه. فمن يتعامل مع الناس بوصفهم غير جديرين بالثقة، يتسم سلوكه بالجفاء والاحتراز المفرط، فيدفع الآخرين إلى الابتعاد عنه، ثم يفسر هذا الابتعاد على أنه دليل على صحة ظنونه. وهذه الحلقة وصفها عالم الاجتماع روبرت ميرتون بمفهوم النبوءة التي تحقق ذاتها؛ إذ تتحول التوقعات السلبية إلى سلوكيات تفضي إلى نفس النتائج التي كان صاحبها يتوقعها.
ولهذا، فإن سلامة الأحكام تبدأ من سلامة النفس. فكلما ازداد الإنسان صدقًا مع ذاته، ومراجعةً لأخطائه، وقدرةً على تهذيب دوافعه، أصبح أكثر عدلًا في قراءة الآخرين، وأقل ميلًا إلى إسقاط عيوبه عليهم. ثم إن من الحكمة ألا نسمح لمن اعتادوا سوء الظن أن يفرضوا علينا نظرتهم القاتمة إلى الناس، وألا نستدرج إلى تفسير المواقف انطلاقًا من الشكوك والافتراضات. فالوقائع وحدها هي التي تستحق أن تكون ميزانًا للأحكام، أما الظنون فلا ينبغي أن تكون دليلًا ولا قاضيًا.
وخلاصة القول: ينبغي علينا أن نرى العالم بقدر ما تصلح نفوسنا، قبل أن نراه بعيوننا.



