هكذا تعمل النفس البشرية؛ فهي لا تحب الفراغ. وحين تغيب بعض التفاصيل، تسارع إلى ملئها بما تراه منطقياً أو متسقاً مع مشاعرها. لذلك، لا نتعامل مع الأحداث كما وقعت فعلاً، بل كما فهمناها نحن، وفي العلاقات الإنسانية تحديداً، تصبح هذه الآلية أكثر حضوراً. فحين نشعر أن شخصاً ما حظي باهتمام أكبر، أو تقدير أكثر، أو معاملة مختلفة، لا يتوقف الأمر عند حدود الموقف نفسه، بل يمتد إلى تفسير النوايا. ننتقل سريعاً من سؤال: «ماذا حدث؟» إلى سؤال آخر أكثر حساسية: «لماذا حدث؟». ومن هنا تبدأ القصة التي نكتبها بأنفسنا.
والمثير للاهتمام أن الإنسان غالباً لا يتأثر بالفعل بقدر ما يتأثر بالمعنى الذي يمنحه لذلك الفعل. فقد يكون الاختلاف في نظر شخص مجرد تفصيل عابر، بينما يراه آخر دليلاً على التفضيل. وقد يرى أحدهم في موقف بسيط رسالة ضمنية عن مكانته أو قيمته، رغم أن الطرف الآخر لم يقصد أي رسالة أصلاً.
ولأن المشاعر تسبق التحليل في كثير من الأحيان، فإننا نميل إلى البحث عما يؤكد انطباعاتنا الأولى. فإذا ظننا أن هناك تفضيلاً، بدأنا نلتقط كل ما يدعم هذا الظن، ونتجاوز كل ما قد ينفيه. وهنا لا تصبح المشكلة في نقص المعلومات فحسب، بل في الطريقة التي نقرأ بها ما هو متاح منها.
هذا لا يعني أن كل ظن خاطئ، ولا أن كل إحساس بلا أساس. فالحياة مليئة بمواقف التحيز والتفضيل الحقيقي. لكن الفرق بين الوعي والانفعال هو أن الأول يبحث عن الصورة كاملة، بينما يكتفي الثاني بجزء منها.
وربما لهذا السبب كانت أكثر الأحكام عدلاً هي تلك التي تأتي متأخرة قليلاً؛ بعد أن تهدأ المشاعر، وتتسع زاوية الرؤية، وتُمنح الاحتمالات الأخرى فرصة للظهور. عندها نكتشف أن ما بدا لنا حقيقة مؤكدة لم يكن سوى قراءة محتملة لمشهد ناقص.
إن كثيراً من خلافاتنا، وشيئاً من خيباتنا، وبعض ما نحمله من مشاعر تجاه الآخرين، لم ينشأ من الوقائع نفسها، بل من القصص التي نسجناها حولها. قصص بدأت بتفصيل صغير، ثم اكتملت في أذهاننا قبل أن تكتمل في الواقع.
ولهذا، عندما نواجه موقفاً لا نعرف كل تفاصيله، قد يكون من الحكمة أن نتذكر أننا لا ننظر إلى الحقيقة كاملة، بل إلى بقايا قصة.. أما بقية الحكاية، فقد تكون مختلفة تماماً عما تصورناه.
[email protected]



