ومن هنا تنطلق الفكرة الرئيسة التي يناقشها الكاتب ستيف ماغنس في كتابه «القيام بالأمور الصعبة»؛ إذ يرى أن النجاح لا يعتمد على قوة الإرادة وحدها، وإنما على تغيير الطريقة التي ننظر بها إلى الصعوبة نفسها. فالإنسان لا يحتاج إلى التخلص من المشقة، بقدر حاجته إلى إعادة تفسيرها، حتى تتحول من تهديد إلى فرصة للنمو.
وينبغي الإشارة إلى أن دراسة أجراها الباحثان غابرييل أوتينغن وبيتر غولويتزر أظهرت أن النجاح في تنفيذ المهام الصعبة لا يعتمد على الحماس وحده، بل على وضع خطط مسبقة لمواجهة العقبات، فيما يُعرف باستراتيجية «إذا حدث كذا... فسأفعل كذا». وقد بينت نتائج عشرات الدراسات أن هذه الاستراتيجية ترفع احتمالات الالتزام بالأهداف؛ لأنها تنقل السلوك من مجرد النية إلى الاستجابة التلقائية عند ظهور التحديات.
وفي السياق ذاته، كشفت دراسة أجرتها أنجيلا دكوورث، أستاذة علم النفس بجامعة بنسلفانيا، أن سمة المثابرة طويلة الأمد كانت مؤشراً للنجاح يفوق الذكاء في كثير من البيئات التعليمية والعسكرية والمهنية. فالاستمرار عند الشعور بالصعوبة هو ما يصنع الفارق الحقيقي، لا الموهبة وحدها.
أما من منظور علوم الأعصاب، فيمكننا القول إن الدماغ لا يعشق الراحة لذاتها، بل يستجيب لما يُسمى بـ«نظام المكافأة العصبي». وقد أوضحت بحوث الدكتور أندرو هوبرمان بجامعة ستانفورد أن ربط الجهد نفسه بالشعور بالرضا، بدلاً من انتظار المكافأة النهائية فقط، يساعد على تعزيز الدافعية واستمرار السلوك الإيجابي. وهنا يتحول الإنجاز من هدف بعيد إلى رحلة ممتعة.
ومن زاوية الاقتصاد السلوكي، يؤكد الباحثان دانيال كانيمان وعاموس تفرسكي أن الإنسان يميل بطبيعته إلى اختيار المكاسب السريعة وتجنب التكلفة الفورية، حتى لو كان ذلك على حساب منفعة أكبر مستقبلاً. ولذلك أصبحت الهواتف الذكية ومنصات التواصل الاجتماعي منافساً شرساً للأعمال العميقة؛ لأنها تقدم مكافآت فورية لا تستطيع المهام الصعبة مجاراتها في البداية.
وتعزز الأرقام هذه الحقيقة؛ إذ تشير بيانات تقرير داتا ريبورتال لعام 2025 إلى أن متوسط استخدام وسائل التواصل الاجتماعي عالمياً تجاوز ساعتين يومياً، وهو وقت يزاحم القراءة والتعلم والعمل العميق، ويغذي الميل إلى البحث عن المتعة السريعة بدلاً من الإنجاز المتراكم.
ولذلك، فإن تدريب النفس على استقبال المشقة ليس ترفاً، بل مهارة حياتية تتجاوز الدراسة والعمل إلى بناء الشخصية نفسها. فالطريق إلى الإنجازات الكبيرة لا يبدأ بإزالة العقبات، وإنما بتغيير العلاقة بها، وهو ما يذكرنا به هذا الكتاب دون أن يدّعي أن الطريق سيصبح سهلاً، بل أكثر معنى.
الخلاصة: كلما تجنبنا الطريق الأصعب، ابتعدنا خطوة أخرى عن النجاح الذي ننشده



