[email protected]
لم يكن فاسيلي أليكسييف، أسطورة رفع الأثقال السوفيتية، يخشى الحديد بقدر ما كان يصارع رقمًا عالقًا في ذهنه. فبعد أن تمكن من رفع ٤٩٩ باوندًا، ظل عاجزًا مرارًا عن تجاوز حاجز الـ500 باوند. كانت عضلاته قادرة، وخبرته تؤهله، وجسده مهيأً، إلا أن المحاولات كانت تنتهي بالإخفاق ذاته.
غير أن مدربيه قرروا خوض تجربة مختلفة؛ إذ قاموا - وفق ما ترويه عدة مصادر رياضية تناولت مسيرته - بزيادة وزن الأثقال دون إخباره، ثم أوهموه أن الوزن أقل من حاجز الـ500 باوند الذي ظل يطارده نفسيًا. والمفارقة أنه رفع الوزن الجديد بنجاح ومن دون عناء كبير، ثم اكتشف لاحقًا أنه تجاوز الرقم الذي كان يعتقد أنه مستحيل.
هذه القصة لا تتعلق بالرياضة فحسب، بل تكشف إحدى أكثر الحقائق الإنسانية إثارة؛ فالإنسان كثيرًا ما يُهزم داخل عقله قبل أن يُهزم في الواقع.
ولعل علم النفس الحديث يؤكد هذه الفكرة بوضوح؛ إذ تشير بحوث عالمة النفس الأمريكية كارول دويك من جامعة ستانفورد إلى أن الأشخاص الذين يؤمنون بأن قدراتهم قابلة للتطور يحققون أداءً أعلى بكثير ممن يعتقدون أن قدراتهم ثابتة لا تتغير. وقد أطلقت دويك على ذلك مفهوم «العقلية النامية»، وهي القناعة التي تجعل الإنسان يرى التحديات فرصًا للتوسع لا جدرانًا للإيقاف.
وينبغي الإشارة إلى أن الدماغ البشري نفسه يتأثر بالتوقعات بصورة مذهلة. ففي دراسة نشرتها جامعة هارفارد حول «تأثير التوقع»، تبين أن قناعة الإنسان بقدرته تؤثر فعليًا في أدائه الجسدي والذهني، حتى وإن لم تتغير الظروف الواقعية من حوله. بمعنى آخر: ما نعتقد أنه حدنا النهائي قد يكون مجرد تصور ذهني متكرر لا أكثر.
وفي السياق ذاته، أظهرت دراسة نشرتها الجمعية الأمريكية لعلم النفس أن الخوف من الفشل يدفع كثيرًا من الناس إلى وضع «سقوف آمنة» لأنفسهم، تجنبًا للإحباط أو النقد أو التجربة المجهولة. ولذلك نجد من يردد: «هذا أقصى ما أستطيع»، بينما الحقيقة أنه لم يختبر أقصى ما يستطيع بعد.
ومن المثير للاهتمام أن هذه الحدود الوهمية لا تظهر فقط في الرياضة أو العمل، بل تمتد إلى العلاقات الاجتماعية والتعلم والطموحات الشخصية، وحتى طريقة الإنسان في رؤية ذاته. فكم من شخص امتلك الموهبة لكنه أقنع نفسه بالعجز؟ وكم من فرصة ضاعت لأن صاحبها افترض مسبقًا أنه لن ينجح؟
يمكننا القول إن أخطر القيود ليست تلك التي تُفرض علينا، بل تلك التي نبنيها نحن داخل عقولنا ثم نعيش أسرى لها. فالإنسان حين يكرر لنفسه أنه غير قادر، يبدأ عقله تدريجيًا في التصرف على هذا الأساس، حتى يصبح الوهم حقيقة عملية في حياته.
ولهذا، فإن تجاوز الذات لا يبدأ دائمًا بتطوير الإمكانات، بل أحيانًا بتحطيم الصورة المحدودة التي رسمناها عن أنفسنا. وربما كان سر النجاح في كثير من الأحيان هو الجرأة على المحاولة قبل امتلاك اليقين الكامل.
فاسيلي أليكسييف لم يكن يحتاج إلى عضلات أقوى بقدر ما كان يحتاج إلى حاجز نفسي أقل.
«كثير من حدودنا... لم تُخلق في الواقع، بل في عقولنا.»



