وبدلًا من المحاولة العبثية لإلغاء الخصوم أو الاكتفاء بالشكوى منهم، يجب التفكير في الطرق الصحيحة للتعامل معهم، بدءًا من الحرص على تنقية القلب والاستعانة بالله، مرورًا بوضع الخطط اللازمة للمواجهة، وأبرزها الاستمرار في النجاح.
وفي سيرة المصطفى -صلى الله عليه وسلم-، وبعد أن تمت بيعة العقبة الثانية بين رسول الله صلى الله عليه وسلم والأنصار، كان المتوقع أن يتوقف مشركو قريش عن الحرب، إذ إن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كان بإمكانه الخروج إلى يثرب، وبذلك يتخلصون منه. لكن هؤلاء المشركين لم يتوقفوا، بل عندما علموا بما حدث، سادت بينهم الضجة، وساورتهم القلاقل والأحزان؛ لأنهم كانوا على معرفة تامة بعواقب هذه البيعة ونتائجها على أنفسهم وأموالهم.
فما إن أصبحوا حتى توجه وفد كبير من زعماء مكة وأكابر مجرميها إلى أهل يثرب؛ لتقديم احتجاجهم الشديد على هذه المعاهدة، وقال الوفد لأهل المدينة: «يا معشر الخزرج، إنه قد بلغنا أنكم جئتم إلى صاحبنا هذا لتستخرجوه من بين أظهرنا، وتبايعوه على حربنا، وإنه والله ما من حيٍّ من العرب أبغض إلينا أن تنشب الحرب بيننا وبينهم منكم».
وبما أن مشركي الخزرج لم يكونوا يعلمون شيئًا عن هذه البيعة، إذ تمت في سرية تامة تحت جنح الظلام، فقد أخذوا يحلفون بالله أن شيئًا من ذلك لم يحدث، وأنهم لا علم لهم به، حتى أتوا عبد الله بن أُبيّ، فقال: «هذا باطل، وما كان هذا، وما كان قومي ليفتاتوا عليّ بمثل هذا، ولو كنت بيثرب ما صنع قومي هذا حتى يؤامروني».
أما المسلمون، فنظر بعضهم إلى بعض ثم لاذوا بالصمت، فلم يتحدث أحد منهم بنفي أو إثبات، فصدق زعماء قريش ذلك، ورجعوا خائبين.
إذن، فعدوك مهما تركته لن يتركك، ومهما ظننت أنك ستعيش بلا انتقاد أو بلا أعداء، فأنت بذلك تحكم على نفسك بأن تعيش بلا نجاح، بل بلا أثر أو فعل، سواء كان نجاحًا أم غير ذلك.
[email protected]



