من هؤلاء الأشخاص المتميزين؛ فوزان بن سابق السابق، رحمه الله، أحد الرجال الذين وثق بهم الملك عبدالعزيز فأسند إليه رعاية مصالح بلاده ورعاياها، في الشام ومصر، فكان بذلك أحد رواد الدبلوماسية السعودية في مراحلها المبكرة.
جمع فوزان بين العلم والتجارة والأسفار والعمل الدبلوماسي، وتوّج كل ذلك بإخلاصٍ ثابتٍ للقيادة التي رأى فيها المستقبل الحقّ والواعد لبلاده، واكتسب من رحلات العقيلات، الذين كان واحداً من أبرزهم، بين نجد والزبير والشام ومصر، خبرات واسعة، وبنى شبكة علاقات وثيقةً ومميزة، استثمرها بوعي وإخلاصٍ عندما أصبح ممثلا للملك عبدالعزيز في الخارج، حيث توجّت مسيرته بتعيينه وزيرا مفوضاً، للبلاد السعودية في مصر.
أثناء وجوده في مصر، كان حريصاً على كل ما رأى فيه مصلحة بلاده وخير أبنائها، فتبنى، بالرعاية والدعم، والاهتمام، طالباً شاباً مبتعثاً للدراسة في مصر، من أبناء بلاده، حيث ساعده على مواصلة الدراسة الثانوية والجامعية، ضمن البعثة الحكومية، لما رأى فيه من خير وموهبة واعدة، وتمضي السنوات، ليُصبح هذا الشاب، وهو معالي عبدالله بن حمود الطريقي، رحمه الله، أول وزيرٍ للبترول والثروة المعدنية في المملكة العربية السعودية.
ومن بين أبرز العلاقات التي بناها ووطدها فوزان، إبّان وجوده في مصر، صداقته المتينة وعلاقته اللافتة التي كوّنها مع رجل الأعمال والسياسي والمحسن الأمريكي البارز؛ تشارلز ريتشارد كرين.
كان تشارلز كرين من أعلام السياسة الأمريكية، وقد اختير ليرأس لجنة دولية لدراسة أوضاع العالم العربي وشعوبه، وكان التقرير الذي وضعته هذه اللجنة دليلاً عكس اهتمامه بالعالم العربي، وبقضاياه الجوهرية، وإنصافه لأصحاب الحقوق، رغم ما جلبه هذا عليه من تبعات سياسية لم تؤثّر في استقامة مبادئه.
بالإضافة إلى الأخلاق الرفيعة، والمشاعر الإنسانية الغامرة والصادقة، جمع بين فوزان وتشارلز كرين حُب الخيل العربية، والاستمتاع بصحبتها، ومتابعة سباقاتها، فكانا كثيراً ما يلتقيان في ميادين السباق، وساحات استعراض الخيول العربية، وفي أحد هذه اللقاءات، أبدى تشارلز كرين إعجابه بحصان عربي أصيل، يدعى "مهلهل"، من خيل فوزان، في مصر. وحين أراد شراءه، أبى فوزان أن يبيعه وأهداه إليه، في موقف جسد قيم الكرم والفروسية العربية الأصيلة.
ومع حديث فوزان، مع كرين، عن طموحات الملك عبدالعزيز التنموية ورؤاه المستقبلية لبلاده، ازداد اهتمام كرين بالمملكة، وعبّر، بصدق، عن رغبته في لقاء الملك عبدالعزيز. وتشير المصادر التاريخية إلى أن فوزان، عمل مع عبدالله فيلبي، رحمه الله، على ترتيب لقاءٍ جمع الملك عبدالعزيز بتشارلز كرين، في جدة، عام 1931م.
في جدة، استمع كرين إلى رؤية الملك الطموحة، واهتمامه بالبحث عن المياه والثروات الطبيعية لتحقيق التنمية الشاملة في جميع أرجاء بلاده. وبدلا من الاكتفاء بعبارات الصداقة والدعم المجرّدة، عرض كرين، على الملك عبدالعزيز، أن يُوفد إليه أحد أكفأ المهندسين الذين يعملون معه، وبالفعل، كلّف كرين المهندس والجيولوجي الأمريكي كارل تويتشل بالتوجّه إلى المملكة وبدأ أعمال البحث هناك.
وصل تويتشل إلى جدة، وانطلق، بتوجيهٍ ودعمٍ من الملك عبدالعزيز، باحثا عن الماء والمعادن في جميع أرجاء المملكة، فاكتشف أو أعاد اكتشاف العديد من موارد المياه، ومواقع الثروات الطبيعية. وأثناء قيامه بأعمال المسح في الأحساء، وهو الاسم الذي كان يُطلق على المنطقة الشرقية كلها، لاحظ مؤشرات جيولوجية لافتة، أكّدت له احتمال وجود ثرواتٍ نفطية فيها، وقد أشار إلى هذا بوضوح في التقرير الذي رفعه إلى أنظار الملك عبدالعزيز مع انتهاء مهمته.
بعد ذلك، ومع تعزّز ما أشار إليه تويتشل من خلال أخبار اكتشاف النفط تجاريا، في البحرين الشقيقة، عام 1932م، توالت الأحداث، التي بدأت بالتواصل بين شركة ستاندرد أويل أوف كاليفورنيا (سوكال سابقاً وشيفرون حالياً) وبين الحكومة السعودية، ثم انطلقت المفاوضات التي قادها، من الجانب السعودي، معالي وزير المالية عبدالله السليمان، رحمه الله، ومن جانب سوكال مُحاميها؛ لويد هاملتون، وصولا إلى توقيع اتفاقية امتياز التنقيب عن النفط في شرقي المملكة العربية السعودية، أواخر شهر مايو من عام 1933م، ليشهد تنفيذ هذه الاتفاقية، بعد ذلك، سنوات شاقة من البحث والتنقيب انتهت بتدفق النفط بكميات تجارية من بئر الخير؛ بئر الدمام السابعة، في عام 1938م.
من تلك البدايات، ولد عملاق صناعة النفط العالمية؛ أرامكو السعودية، التي شيد صرحها جيل بعد جيل من الرواد، حتى أصبحت، اليوم، مصدر فخر وطني، تقودها وتُديرها الكفاءات السعودية المتميزة، التي أثبتت قدرتها على مواصلة مسيرة من سبقوها، وتحمل المسؤولية، والابتكار، والمنافسة في أعلى المستويات العالمية.
خلال تلك الرحلة، التي يتجاوز عمرها اليوم تسعين عاماً، عمل الخبراء الأمريكيون وغيرهم، جنبا إلى جنب، مع أبناء المملكة، الذين التحقوا بأعمال التنقيب والإنتاج في المنطقة الشرقية، ليصبحوا، هم أيضا، عبر مسيرةٍ حافلة بالطموح والاجتهاد، من رواد صناعة أسهمت، ولا تزال تُسهم، في صياغة مستقبل الوطن.
في قلب هذه القصة المؤثرة، تقف رؤية الملك عبدالعزيز، الذي أحسن اختيار الرجال، واستفاد من الخبرات الدولية، بينما ظل القرار الأخير والأهم بيده، وسخّر كل هذا لخدمة وطنه وشعبه، ليواصل أبناؤه البررة الملوك سعود وفيصل وخالد وفهد وعبدالله، رحمهم الله جميعا، مسيرة البناء والتنمية، وصولا إلى عهد خادم الحرمين الشريفين؛ الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، وسمو ولي العهد صاحب السمو الملكي، الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، حفظهما الله.
وهكذا، تمتد القصة من رواد الأمس إلى كفاءات اليوم، ومن بئر الخير، إلى واحدة من أعظم شركات الطاقة في العالم، لتكون القصة شاهدةً على ما يمكن أن تصنعه الرؤية والطموح والحس الوطني الرفيع حين تقترن بالعلم والعمل والإصرار.



