الحب في حقيقته ليس مجرد شعور، بل موقف. لذلك، تختلف طرق التعبير عنه بين الناس؛ فبعضهم يراه في الكلمات، وبعضهم يجده في الأفعال، وآخرون يعجزون عن التعبير عنه أصلًا رغم صدقه. لكن على اختلاف هذه الأساليب، تبقى هناك لحظة فاصلة تكشف الحقيقة، ألا وهي لحظة الأزمة.
فالأزمات لا تخلق الحب ولا الكراهية، بل تكشفهما؛ تزيل الغلاف وتُظهر ما كان مختبئًا خلف المجاملات والشعارات، عندها نكتشف من كان قريبًا لأنه يحبنا حقًا، ومن كان قريبًا لأنه يحب الظروف المحيطة بنا فقط.
ولا يقتصر هذا الأمر على العلاقات الشخصية أو الأسرية، بل يمتد إلى حياتنا العملية أيضًا؛ ففي بيئات العمل كثيرًا ما نسمع من يتحدث عن انتمائه للمؤسسة واعتزازه بالمكان وإيمانه برسالته، وهي مشاعر نبيلة بلا شك، لكن قيمتها الحقيقية لا تظهر في الاجتماعات ولا في الأحاديث الجانبية، بل عندما تواجه المؤسسة تحديًا أو تمر بمرحلة صعبة.
هناك من يرفع راية الانتماء، لكنه عند أول خلاف يتحول إلى مصدر للفوضى، فيفتح جبهات مع زملائه، ويُشعل الخلافات، ويُضعف الروح الجماعية التي يدّعي حرصه عليها. وعلى الجانب الآخر تجد أشخاصًا لا يكثرون من الحديث عن حبهم للمكان، لكنهم يحملون جزءًا من العبء بصمت، ويحاولون إصلاح ما يستطيعون إصلاحه، لأنهم يدركون أن الانتماء ليس شعارًا يُرفع، بل مسؤولية تُمارس.
ولعل أكثر ما يكشفه الحب الحقيقي هو الادعاء؛ فليس كل من قال إنه يحب كان صادقًا، وليس كل من التزم الصمت كان خاليًا من المشاعر. أحيانًا تكشف المواقف أن بعض الناس أحبوا الصورة التي رسموها في أذهانهم، لا الحقيقة ذاتها، فإذا تغيرت الصورة أو اختفت المصلحة اختفى الحب معها.
لهذا، ربما لا يكون السؤال المهم هو: من يحبني؟ بل: من بقي عندما أصبحت المغادرة أسهل من البقاء؟ ومن حافظ على الود عندما أصبح الخلاف مبررًا للقطيعة؟ ومن اختار البناء عندما كان الهدم أقل تكلفة؟ وهنا فقط تتضح الحقيقة، ونفهم أن بعض المشاعر لا تفضحها الكراهية، بل يفضحها الحب نفسه.
[email protected]



