لكن لم ينتابني شعور الإدراك لأحبط ولأستسلم لمطاف لا يعول عليه، عندها بدأت بعد التخرج بمسيرة العطاء والتغيير من خلال التطوع والمشاركة الفاعلة في حضور وتنسيق البرامج والفعاليات العلمية والثقافية بدءًا من القسم إلى أن تقدمت لمستويات لم تكن بالحسبان، وامتد العطاء لجهات أوسع وأكبر بتوفيق الله.
تلك الطالبة الخجولة التي لا يصدر لها صوتًا إلا عند المشاركة، وتلك التي رفعت يديها وحدها تملك الإجابة لكن خافت ألا تكون صائبة لأن من حولها يجهلها، ذلك الصمت غير المبرر، والمحيط المحدود الذي لا يعرف الاتساع، والرأي الذي لا يقال، والفكرة التي لا ترى النور، هذه كلها وأكثر سمات أصبحت بفضل الله من الماضي، أذكرها وأفخر بما أصبحت عليه.
أسعد كثيرًا اليوم حين أرى الطلبة يحملون وعيًا ناضجًا وثقافةً عامة بأهمية الأنشطة المنهجية واللامنهجية في صناعة ذواتهم، وبناء بصمتهم، وتطوير مسيرتهم الأكاديمية؛ ليحصدوا أثرها في مستقبلهم الشخصي قبل المهني، أحدثكم عن مسؤولية تُمارس لا تُقال، وعن إبداعٍ يتجلى في التخطيط، ومثابرةٍ تُبقي الأثر مستمرًا، وسعيٍ لا ينضب نحو النجاح.
ببساطة يمكننا القول: لم تعد الشهادة وحدها كافية لتعريفنا، بل ما نصنعه على هامشها، وما نضيفه لأنفسنا خارج حدودها، هناك في المساحات غير الرسمية، تتشكل الثقة، ويُولد الصوت، وتتضح الملامح. هناك نتعلم كيف نُدير، وكيف نُبادر، وكيف نكون جزءًا من شيء أكبر منّا.
وإن كان لي أن أعود للوراء، فلن أغيّر الطريق، بل كنت سأملؤه أكثر بالمحاولات، وأخفف من خوفي، وأمنح نفسي حق التجربة دون انتظار الكمال؛ لأن الكمال لم يكن يومًا شرطًا للبدء، بل كان الوهم الذي يؤجلنا والعذر الذي يصرفنا عن الكثير مما نتمنى تحقيقه.
رسالتي لكل طالب وطالبة: لا تؤجلوا أنفسكم، لا تنتظروا اللحظة المثالية، ابحثوا عن التجربة، عن الفرصة، بل اخلقوها إن لم تكن متاحة بين يديكم وأمام ناظركم، ابدأوا بما تملكون من إمكانيات وقدرات، فالبدايات الصغيرة تصنع التحولات الكبرى، جرّبوا، شاركوا، اسعوا، واسمحوا لأنفسكم أن تخطئوا، فهناك، تحديدًا، يكمن التعلم الحقيقي، فما لا يُدرّس في الفصول، هو ما يصنعنا فعلًا.
[email protected]



