كنتُ في الخامسة من عمري، قبل أن أتعلم الحروف، أنزلُ إلى مكتبة والدي في مستودعٍ خارج البيت، وأجمعُ كل يومٍ كتابين؛ أضعهما في غرفتي حتى تشكّلت لديَّ «مملكةٌ صغيرة» من الورق. كنتُ أقلب الصفحات بدهشة، وأتساءل: كيف سأقرأ كل هذا؟ وكان الفضول يكبرُ معي حتى صار حلمًا واضحًا: أن أتعلم، وأقرأ كل شيء.
وفي سلوكٍ آخر، كنتُ أحمل دفترًا وقلمًا، وأسجّل ما أسمعه وما يحدث حولي؛ تفاصيل صغيرة، همسات، ومشاهد لا ينتبه لها الآخرون. كان العالم بالنسبة لي مادةً لـ»الملاحظة والتأمل»، وكأنني كنتُ أعدُّ عُدّة الروائية التي تسكنني منذ ذلك الحين.
كما كنتُ أبتكر ألعابًا أقوم فيها بدور التوجيه والتنظيم، وأعيش أجواء القيادة وكأنها عالمي الطبيعي، دون أن أعرف أن هذا الميل سيكبر معي ليصبح «منهجًا» في حياتي العملية والمهنية.
ومع مرور الوقت، بدأت تتضح الفكرة:
ما نفعله في طفولتنا ليس مجرد لعبٍ أو فضول، بل هو «الإشارات الأولى» لما سنكون عليه لاحقا. فالطفل لا يختار موهبته بوعي، لكنه يكشف ملامحها في تفاصيله الصغيرة التي يمارسها بشغفٍ فطري.
وفي هذا السياق، يصبح دور «الكلمة» التي يرددها الأهل حاسمًا؛ حين يقولون: «أنتَ مميز»، أو «أنتَ مبدع».. كلماتٌ تبدو اعتيادية، لكنها تساهم في ترميم وعي الطفل بنفسه، وتمنحه «يقينًا مبكرًا» يقوده نحو استحقاقه.
هكذا تبدأ الحكاية دائمًا.. من تفاصيل تبدو بسيطة، لكنها في الحقيقة كانت تنحت ملامحنا في الظل؛ لتصنع منا اليوم ما لم نكن نجرؤ حتى على الحلم به.
[email protected]



