قال له أحدهم يوماً مازحاً: «دع الولد يلعب مع الصغار، ما له ولمجالس الكبار؟»
فقال الأب كلمة تستحق أن تُكتب: «إن لم يتعلم الرجولة بين الرجال، فأين سيتعلمها؟»
كبر الابن، وكبرت معه أشياء كثيرة لم يتعلمها من كتاب؛ عرف كيف يستقبل الضيف، وكيف ينصت للكبير، ومتى يتحدث ومتى يصمت، وعرف أقاربه، وصديق أبيه، وسمع قصص جده، ورأى بعينه كيف تُقضى حوائج الناس، وكيف يُواسى الحزين، ويُهنئ السعيد، ويُكرم الضيف.
لقد كان ذلك المجلس مدرسة بلا سبورة!
مجالس الرجال في بيوتنا ليست مساحة زائدة في المنزل، ولا غرفة تُفتح في المناسبات ثم تُغلق، وإنما مؤسسة اجتماعية، صنعت أجيالاً من الرجال، وربطت الأبناء بآبائهم وأقاربهم ومجتمعهم.
في المجلس يتعلم الصغير أشياء قد لا يجدها في المناهج الدراسية؛ يتعلم أدب الحديث، واحترام الكبير، وإكرام الضيف، والإنصات للآخرين، والسؤال عن الغائب، والوقوف مع المحتاج.
وفي المجلس يعرف الابن أعمامه وأخواله وأقارب أبيه، وتتحول صلة الرحم من مفهوم يسمعه في درس إلى ممارسة يراها أمام عينيه.
ولذلك، فإن أجمل المجالس ليست أكثرها فخامة، ولا أغلاها أثاثاً، وإنما أكثرها حياة بالناس.
قد يكون مجلس صغير متواضع تكثر فيه السلامات والسؤال عن الأقارب وإكرام الضيف أعظم أثراً من مجلس فاخر لا يُفتح إلا مرات معدودة في السنة.
والعجيب أننا اليوم نحرص على أن يتعلم أبناؤنا كثيراً من المهارات، ونسجلهم في الدورات والبرامج، ثم قد نغفل عن مدرسة مجانية داخل بيوتنا!
افتح مجلسك وخذ ابنك معك إلى المجلس، دعه يسمع أحاديث الكبار، ويقدم القهوة، ويرحب بالضيف، ويتعرف على أقاربه، وإذا أخطأ في كلمة فلا تحرجه أمام الناس، بل علمه بعد ذلك؛ فهو يتدرب على الحياة.
وليس المقصود أن يسمع الأبناء كل حديث يدور في المجالس، فبعض الأحاديث لا تناسب أعمارهم، وإنما المقصود ألا نعزلهم تماماً عن البيئة الاجتماعية التي تصنع شخصياتهم.
فالبيوت لا تورث أبناءها الجدران والأثاث فقط، بل تورثهم العادات والقيم؛ ومن أجمل ما نورثه لهم: مجلسٌ مفتوح، ورحمٌ موصولة، وبابٌ يعرفه الضيف.
[email protected]



