في هذا العالم الجديد، تبدو الأشياء مختلفة؛ كأن البسمة استعادت لونها، وكأن التفاصيل الصغيرة بدأت تهمس من جديد. لم أعد أرى الحياة من زاوية واحدة ضيقة، بل اتسعت أمامي كنافذة دخلها الضوء أخيرًا بعد طول انطفاء.
لأول مرة أشعر أن للحياة طعمًا مختلفًا.. ليس لأنها تغيّرت فقط، بل لأنني أنا من تغيّر. كنت أبحث عن السعادة في كل اتجاه، أركض خلفها كأنها شيء بعيد، ثم اكتشفت أنها كانت أقرب مما أظن، لكنها كانت تحتاج عينًا ترى، وقلبًا يستقبل.
وجدتها في نظرة طفل بريء لا يعرف من الدنيا إلا صفاءها، ووجدتها في ابتسامة شيخٍ كبير يحمل في ملامحه حكمة الصبر وطمأنينة العمر. ووجدتها في التفاصيل التي كنت أمر بها دون أن ألتفت، كأن الحياة كانت تُقدّم نفسها لي كل يوم، لكنني كنت مشغولًا عنها.
كم كنت أُتعب نفسي بالبحث، وأثقلها بالمسارات الخاطئة.. أظن أن السعادة هدف بعيد، بينما كنت أنا من يبتعد عنها دون أن أدري. كنت صديقًا للأحزان، مألوفًا للهموم، غريبًا عن الفرح، حتى بدا لي أن هذا هو القدر الوحيد الممكن.
لكن شيئًا ما تغيّر.. لا أعرف متى بالضبط، ولا كيف، إلا أنني شعرت فجأة أنني أتنفس بشكل أعمق، وأنني أرى بوضوح لم أعهده من قبل. كأنني خرجت من غفوة طويلة، واستعدت نفسي التي تأخرت في الوصول إليّ.
اليوم لم أعد أهرب من الحياة، بل أقترب منها. لم أعد أبحث عن السعادة في البعيد، بل أتعلم كيف أراها هنا، في اللحظة، في التفاصيل، في البدايات البسيطة التي لا تصرخ لكنها تُغيّر كل شيء بصمت.
ربما لن تختفي الأحزان تمامًا، لكنها لم تعد تقود الطريق. الآن هناك شيء آخر أكثر هدوءًا وأصدق.. وعيٌ يجعلني أفهم لماذا مررت بكل ذلك، ولماذا وصلت إلى هنا.
واليوم، أفتح صفحة جديدة، لا بيضاء فقط، بل واعية.. أعرف فيها أن السعادة ليست محطة نصل إليها، بل طريقة نرى بها الطريق.
وقفة
خاصمت عيني من سنين
ورحمت قلبي من الأنين
[email protected]



