أما القلق الوجودي فهو القلق الذي يظهر عندما يبدأ الإنسان في التفكير في الأسئلة الكبرى للحياة: لماذا أعيش؟ ماذا سأفعل بعمري؟ ماذا بعد الموت؟ هذه الأسئلة قد تبدو فلسفية، لكنها في الحقيقة جزء من تجربة إنسانية يعيشها كثير من الناس، خصوصًا في أوقات التحول أو الضغوط.
ولعل اللافت أن هذه المشاعر أصبحت أكثر حضورًا في العصر الحديث. فمع سرعة الحياة وكثرة الخيارات، يجد كثير من الناس أنفسهم أمام طريق مفتوح بلا إشارات واضحة. وتشير تقارير منظمة الصحة العالمية إلى أن اضطرابات القلق تصيب أكثر من 300 مليون إنسان حول العالم، بينما توضح دراسات في علم النفس أن جزءًا من هذا القلق مرتبط بما يسمى فقدان المعنى في الحياة.
وفي دراسة عن الشعور بالمعنى أجرتها مراكز بحثية في الولايات المتحدة، أفاد نحو ربع المشاركين بأنهم يشعرون بدرجات مختلفة بأن حياتهم تفتقر إلى معنى واضح. كما أظهرت استطلاعات مؤسسة غالوب أن مستويات التوتر والقلق العالمية ارتفعت في السنوات الأخيرة، خصوصًا في المجتمعات التي تتسم بإيقاع حياة سريع وتنافس شديد.
لكن علماء النفس لا يرون القلق الوجودي دائمًا بوصفه أمرًا سلبيًا. فالطبيب النفسي فيكتور فرانكل، الذي أسس مدرسة «العلاج بالمعنى»، يرى أن هذه الأسئلة قد تكون بداية رحلة إيجابية يبحث فيها الإنسان عن هدف أعمق لحياته. ويؤكد أن الإنسان حين يجد معنى لما يقوم به يصبح أكثر قدرة على تجاوز القلق والضغوط.
ومن زاوية أخرى، تبرز الرؤية الإسلامية بوصفها إطارًا يمنح الوجود وضوحًا واتجاهًا. فالقرآن الكريم يربط حياة الإنسان بغاية واضحة: ﴿وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون﴾، كما يشير إلى أن الطمأنينة الحقيقية تنبع من الاتصال الروحي بالله: ﴿ألا بذكر الله تطمئن القلوب﴾. وفي قوله عليه الصلاة والسلام في وصف الصلاة: (أرِحْنا بها يا بلالُ). ومن هذا المنظور يصبح القلق الوجودي لحظة تساؤل قد تقود الإنسان إلى إعادة اكتشاف المعنى الأعمق لحياته، لا مجرد حالة اضطراب نفسي.
لهذا يمكن القول إن الغربة الوجودية والقلق الوجودي ليسا مجرد مصطلحات فلسفية بعيدة عن الواقع، بل هما مشاعر قد يمر بها أي إنسان في لحظة من حياته. غير أن تلك اللحظة قد تكون أيضًا فرصة للتوقف والتفكير في الاتجاه الذي يسير فيه، وفي المعنى الذي يريد أن يمنحه لحياته.
وخلاصة القول: حين يضيع المعنى يشعر الإنسان بالغربة في حياته، وحين يكتشفه يعود أكثر طمأنينة ووضوحًا في طريقه الذي يسير فيه



