فعلى سبيل المثال تبرز ظاهرة استخدام «كفاءة الإنفاق» في القطاع العام خصوصًا في مجالات الصحة والتعليم والبنية التحتية لتبرير تقليص الميزانيات التشغيلية، وضرورة خفض الإنفاق أو إعادة هيكلة الموارد لضمان الكفاءة، دون أن يرافق ذلك خططًا واضحة لتحسين جودة الخدمات أو ابتكار طرق بديلة لتقديم الخدمة بكفاءة أعلى؛ مما يؤثر على جودة الخدمات، والتأخر في المشاريع، وإشاعة ثقافة الإحباط لدى المستفيدين، وهو ما يعكس تباينًا بين شعار «الكفاءة» وواقع التنفيذ.
وتبرز كذلك في القطاع الخاص من خلال تسريح الموظفين والموظفات، أو تقليص الاستثمار في تدريب الموظفين، أو تحسين المنتجات، أو خدمات ما بعد البيع، تحت شعار زائف عنوانه الإدارة الرشيدة، والمحصلة تظهر من خلال تدهور جودة المنتجات ورداءة الخدمات، وانخفاض رضا العملاء، وتأثر سمعة المؤسسة على المدى الطويل، رغم الإيحاء بأن الإدارة تتبع أسلوبًا عقلانيًا في استخدام الموارد.
أما القطاع غير الربحي، فالمسألة أكثر حساسية، لأن المنظمات الخيرية والاجتماعية تعتمد على التمويل الخارجي أو التبرعات، ويُتوقع منها أن تحقق أثرًا اجتماعيًا ملموسًا، لكن بعض المنظمات تستخدم مفهوم «كفاءة الإنفاق» لتبرير خفض البرامج أو الخدمات المجتمعية، أو الاستعانة بأدوات غير فعالة، بدعوى تقليل التكاليف، وهو ما يقلل من قدرة هذه المنظمات على تحقيق أهدافها التنموية أو الإنسانية.
وفي الحقيقة أن مفهوم كفاءة الإنفاق لا يحمل في طياته أي مشكلة، بل تكمن المشكلة في طريقة تطبيقه، والذي يظهر في الغالب في زيادة أعباء الموظفين، وتراجع الخدمات الأساسية، وفقدان ثقة الجمهور؛ مما يظهر سطحية فهم بعض مدراء القطاعات للمفهوم. فالكفاءة المالية فلابد من ارتكازها على معايير محددة لتقييم الأداء والجودة والشفافية، وليس مجرد مؤشر لتقليص الميزانية أو التقليل من الخدمات، كما أنها يجب أن تكون مترادفة مع الجودة، وأن ترافقها خطط استراتيجية لرفع الأداء، وتحسين العمليات، وتوظيف الموارد بشكل ذكي، وليس مجرد تقليص الأرقام المالية.
ولتحقيق الكفاءة المالية الرشيدة لابد من تبني عدد من الحلول العملية لتجويد الخدمات مع الحفاظ على كفاءة الإنفاق وفاعليته عبر مجموعة من الاستراتيجيات المناسبة لكل قطاع على حدة من خلال تسريع التحول الرقمي للخدمات والعمل على أتمتة العمليات والإجراءات، وإعادة هندسة العمليات وإزالة الإجراءات غير الضرورية وتحسين الأداء، وتعظيم الاستثمار في رأس المال البشري من خلال تشجيع الابتكار الداخلي من خلال فرق عمل صغيرة لحل المشكلات اليومية لتحقيق جودة أعلى باستخدام نفس الموارد المالية أو أقل.
ومن المهم إشاعة ثقافة قياس الأداء والمساءلة والشفافية والمحاسبية وخصوصاً عندما يظهر التضخم المالي في مخصصات أولئك المنادين بالكفاءة المالية مقارنة بمؤهلاتهم وكفاءتهم الإدارية والوظيفية في مقابل الانكماش المالي في مستحقات من دونهم، وكذلك التركيز على تحسين تجربة المستفيد لتقليل الشكاوى وزيادة الكفاءة، والتركيز على المشاريع التي تحقق نتائج ملموسة ومؤثرة بدل التشتت على برامج كثيرة غير فعالة.
فالمؤسسات التي تنجح في تحقيق الكفاءة الحقيقية هي التي تعيد هيكلة عملياتها، وتستثمر في التكنولوجيا، وتطور الكفاءات البشرية، مع الحفاظ على جودة الخدمة ورضا المستفيدين. كفاءة الإنفاق قيمة حقيقية إذا ارتبطت بالتحسين المستمر والجودة، لكنها تتحول إلى مشكلة إذا استخدمت كذريعة لتقليل الإنفاق على حساب خدمات الناس ورضا العملاء والمجتمع. الحكمة في التطبيق هي أن يتم الجمع بين الرشادة المالية والارتقاء بالخدمة، وليس التضحية بأحدهما من أجل الآخر. ولذا تبرز ضرورة إعادة تعريف القطاعات لمفهوم كفاءة الإنفاق بطريقة تتوافق مع تحقيق الأثر الفعلي والارتقاء بالخدمات، وليس مجرد خفض التكاليف.
التحول الحقيقي نحو الكفاءة يتطلب ثقافة مؤسسية متكاملة، استراتيجيات ذكية، وتقييم مستمر للنتائج، بحيث لا يتحول هذا المفهوم إلى مجرد شعار أو ذريعة لتقليص الخدمات ورداءة الأداء. ولنتذكر أن الكفاءة تتعلق بالعلاقة بين المدخلات والمخرجات والفعالية بين الأهداف والأثر.
[email protected]



