أسئلة بسيطة، لكنها تفتح بابًا واسعًا لفهم علاقتنا بالجمال وبأنفسنا. فأغلبنا يملك المساحة والوقت والإمكانات، ومع ذلك لا نعيشه فعلًا. فالترتيب مرتبط بالضيوف. والاهتمام مؤجل إلى حدث قادم. والجمال يُعامل كعرض لا كتجربة يومية. و إذا أردنا ترجمة ذلك من منظور علم النفس، فهذا السلوك لا يرتبط بالكسل ولا بقلة الذوق. بل يرتبط بما يُعرف بتقليل الاستحقاق الذاتي. فالعقل يتعلم أن الجهد يستحق فقط إذا وُجد مردود خارجي. كنظرة. أوتعليق. أو إعجاب، والشعور بأن ما فُعل لم يذهب هدرًا. حيث يتكرر هذا النمط في تفاصيل صغيرة، مثلا شخص يملك طاولة جميلة لكنه يتناول طعامه على عجل. يملك حديقة منعشة لكنه لا يجلس فيها. يقول في داخله لا داعي الآن. سأفعل ذلك لاحقًا.
وفلسفيًا، فهذا نمط عيش قائم على الأداء لا الوجود. فالفعل يكتسب قيمته عندما يُرى. وما لا يُرى يفقد معناه، لأننا نُدرَّب منذ وقت مبكر على أن القيمة تُمنح من الخارج. وهكذا يتكون هذا النمط عبر التكرار. وربط العناية بالآخر أكثر من العناية بالذات. وعبر تأجيل المتعة إلى مناسبة خاصة. وعندما نحاول بعد اكتشافه أن نكسر هذا النمط، تظهر مقاومة داخلية، وشعور بعدم الارتياح. وسؤال صامت عن الجدوى. ولهذا، لا بد أن نتفهم بأن التغيير لا يبدأ بخطوات كبيرة. بل بفعل بسيط. نبادر فورا من الآن بالجلوس في صالون المنزل كما لو أن اللحظة تستحق. واستخدام الجميل لأنه موجود الآن. وعندها لا يتغير المكان فقط. بل يتغير تعريف الاستحقاق. ويتحول الجمال من شيء يُنتظر إلى تجربة تُعاش.
وما لا ننتبه له أن هذا التأجيل المتكرر لا يظل محصورًا في التفاصيل الصغيرة. بل يتسلل بهدوء إلى الإحساس العام بالحياة. فتصبح الأيام متشابهة. وتتحول اللحظات العادية إلى فراغات غير مأهولة. فعندما لا نمنح اللحظة قيمتها، يفقد الزمن طعمه. ونعيش في انتظار حدث قادم يمنح الإذن.
أو مناسبة، زيارة، رحلة سفر، خاص وكأن الحياة الحقيقية تبدأ لاحقًا، مما يخلق مسافة بين الإنسان وتجربته المباشرة.
حيث يجعله ذلك النمط حاضرًا جسديًا وغائبًا شعوريًا. ويمرّ بالمكان دون أن يسكنه. ويستخدم الأشياء دون أن يتذوقها.
ومع الوقت، تتشكل قناعة غير واعية. بأن ما هو جميل لا يخص الحياة اليومية. وأن المتعة استثناء لا حق. وأن الاستحقاق يحتاج مبررًا. والمؤسف حقا أن الجمال يفقد معناه حين لا يُستخدم. والأشياء لا تُهدر بالاستهلاك، بل بالإهمال. واللحظة التي لا تُعاش لا يمكن تعويضها لاحقًا.
وحين نبدأ بمعالجة هذا السلوك، فنحن لا نغيّر عادة فقط.
بل نغيّر رسالة داخلية عميقة. نقول فيها لأنفسنا إن وجودنا وحده سبب كافٍ. وإن الحياة لا تحتاج جمهورًا كي تكون كاملة. عندها يصبح الجلوس في الصالون فعل حضور.
وشرب القهوة فعل انتباه. وتتحول التفاصيل الصغيرة إلى نقاط اتصال حقيقية مع الذات.
[email protected]



