في اليوم الوطني، اعتدنا أن نتحدث عن الوطن بوصفه المكان الذي أعطانا الكثير: الأمن، والاستقرار، والفرص، والذكريات، والانتماء. وهذا كله صحيح، لكن هناك سؤال آخر نادرًا ما نتوقف عنده: ماذا أعطينا نحن للوطن؟
لا أقصد بذلك إنجازًا كبيرًا، فحين يتقن الإنسان عمله لأنه يعرف أن إتقانه ينعكس على من حوله، فهو يضيف شيئًا لوطنه، وحين يحافظ على مكان عام كما يحافظ على بيته، فهو يضيف شيئًا، وحين يلتزم بالنظام حتى عندما لا يراقبه أحد، فهو يضيف شيئًا.
الوطن ليس فقط المباني التي نراها، ولا الطرق التي نسير عليها، ولا المشاريع التي نفتخر بها؛ الوطن في جزء كبير منه هو سلوك الناس الذين يعيشون فيه، وما يقدمونه من عمل وعطاء ومسؤولية.
ربما لا يستطيع كل شخص أن يغير شيئًا كبيرًا، لكنه يستطيع أن يترك مكانه أفضل قليلًا مما وجده. موظف يترك أثرًا طيبًا في عمله، ومعلم يترك فكرة في عقل طالب، وأب يترك قيمة في أبنائه، وشاب يترك نموذجًا جيدًا في مجتمعه، وصاحب مهنة يؤدي عمله بإتقان. هذه الأشياء قد تبدو عادية، لكنها مع الوقت تصنع الفرق.
الأوطان تتقدم بما تبنيه مؤسساتها، وبما يضيفه الناس إلى الحياة من حولهم، وكل جيل يستلم وطنًا من الجيل الذي قبله، ثم يتركه للجيل الذي بعده. وبين الاستلام والتسليم هناك مسؤولية لا يمكن تجاهلها، وهي أن نشارك في البناء، وأن نضيف إلى ما وجدناه.
وهنا يصبح معنى «عزّنا بطبعنا» أوسع من مجرد شعار، فالعز لا يظهر فقط في المناسبات، بل في الطباع التي نمارسها كل يوم: في الأمانة، والإتقان، والكرم، والاحترام، وتحمل المسؤولية، وفي الطريقة التي نتعامل بها مع وطننا ومع بعضنا بعضًا.
قد تختفي تفاصيل كثيرة مما فعلناه مع مرور السنوات، لكن الأثر الطيب يبقى بطريقة أو بأخرى. لذلك، في هذا اليوم الوطني، ربما يجدر بنا أن نطرح على أنفسنا سؤالًا مختلفًا: حين يأتي جيل بعدنا وينظر إلى ما تركناه، ماذا نريد أن يجد؟



