نحن نُنجِب الأطفال، نعم، لكن السؤال المؤلم: من يربيهم؟
إننا حين نمنح الطفل الشاشة لنشتري لحظات من الهدوء، نحن في الحقيقة ندفع ثمنًا باهظًا من مهاراته الاجتماعية، وقدرته على الصبر، وتواصله البصري مع العالم. هذا الهدوء ليس مجانيًا؛ إنه اقتطاع من رصيد العلاقة الإنسانية التي يجب أن تُبنى بالضجيج، والأسئلة، والمحاولة والخطأ.
في كثير من البيوت، تُسند مهمة الإلهاء إلى الهاتف، ومهمة التهدئة إلى الجهاز اللوحي، ومهمة إشغال الوقت إلى التلفاز. ومع التكرار، تتحول «الدقائق المؤقتة» إلى ساعات طويلة، ثم إلى نمط حياة، ثم إلى بديل عن الحضور الأبوي.
الطفل لا يميز بين تربية مقصودة وتلقين عابر. كل ما يراه، يسمعه، ويتفاعل معه، يترسخ في وعيه الناشئ. الشاشة لا تقدم محتوى محايدًا؛ هي تقدم أفكارًا، سلوكيات، وأنماط حياة. ومع كل مقطع، يتعلم الطفل كيف يتحدث، كيف يغضب، وكيف ينظر للعالم.
«فخوارزميات البحث لا تملك بوصلة أخلاقية، هي تملك فقط مبدأ ‹الاستمرارية›؛ لا يهمها ما يتعلمه الطفل قدر ما يهمها كم سيبقى من الوقت مشدودًا خلف هذه الشاشة. وهكذا، تُصاغ هوية أطفالنا بناءً على ما يقترحه محرك البحث، لا بناءً على ما نغرسه نحن من مبادئ.»
المشكلة لا تكمن في وجود الشاشات، بل في غياب البديل الإنساني. حين يغيب الحوار، تحضر المقاطع، وحين يغيب الاحتواء، تحضر المؤثرات، وحين يتأخر التوجيه، يزداد التأثير الغير مباشر .
الأسرة التي كانت المصنع الأول للقيم، تحولت في زمن الغياب إلى مجرد «محطة مؤقتة»؛ تشحن الأجساد بالطعام والبطاريات بالطاقة، بينما تترك مهمة التشكيل الوجداني لصانعي المحتوى في الطرف الآخر من العالم. وهنا لا يمكننا تحميل الطفل المسؤولية، فهو لم يختر محتواه، ولم يصنع عالمه الرقمي. الكبار فعلوا ذلك نيابة عنه.. أو بالأصح تركوه يحدث.
التربية ليست أوامر تُلقى، بل حضور يُمارس. والبديل الحقيقي للشاشة ليس المنع، بل العلاقة. إن استعادة دورنا لا تعني إعلان الحرب على التكنولوجيا، بل إعلان العودة إلى «الإنسان». فالطفل الذي يجد حضنًا دافئًا، وقصة تُروى، وعينًا تنظر إليه بتركيز، لن يبحث عن انتمائه في بكسلات ضوئية باردة.
نحتاج أن نعترف: الشاشة لا تربي لأنها تريد، بل لأنها وجدت فراغًا. وحين يفرغ دور الوالدين، لا يبقى الطفل بلا موجه، بل يتقدم أول من يصل إليه.
المعادلة اليوم واضحة وصادمة:
إما أن نكون حاضرين في حياة أبنائنا، أو نترك غيرنا - بلا قيمنا ولا أولوياتنا - يقوم بالمهمة.
ومضة:
حين نغيب عن التربية، لا يبقى المقعد فارغًا.. ولكن الشاشة تجلس عليه فورًا.
[email protected]



