أضاف أن التقنيات الحديثة ستعمل على تسخين أذرع المرساة بالكهرباء، لتسهيل اختراقها جبل الجليد العائم حتى تصل مركزه، ثم يتم فصل أجهزة التسخين ليطبق الجليد عليها، لتصبح جزءا منه، ثم تربط ذراع المرساة العملاق بالتوربينات لجر الجبل عبر البحار حتى مياه البحر العربي، أمام مياه دولة اليمن الجنوبي في ذلك الوقت.
ثم واصل قائلا هنا المشكلة الوحيدة التي تواجهنا، وهي استحالة مرور جبل الجليد من باب المندب. فهو أصغر من استيعاب مرور هذا الحجم الكبير من كتلة جبل الثلج. ثم قال: نحن أمام خيارين. الأول أن يرسو الجبل في مكان خاص من شاطئ اليمن. ثم تنقل المياه الذائبة عبر أنابيب الى المملكة.
كان الخيار الثاني هو تفتيت جبل الجليد الى قطع يمكن أن تمر من مضيق باب المندب الى ميناء خاص على شاطئ البحر الأحمر في جدة. وقبل سحبها يتم تغليف كل قطعة مثل الدجاج المثلج، واذكر جيدا قوله هذا. ويتم تجميع قطع الجليد في مكان يعد لها خصيصا، أشبه بمواقف السيارات، ويتم استقبال المياه العذبة الذائبة وضخها عبر انابيب لجميع مناطق المملكة. وقال أيضا أنه يتوقع أن تنخفض درجات حرارة المنطقة الى أكثر من ثلاث درجات.
انتهت المحاضرة وبدأ نقاش لا يقل إثارة عن المحاضرة نفسها. أذكر أن أحدهم اقترح نقل قطع الجليد بواسطة المناضيد بدلا من عبورها مضيق باب المندب بمكائن السحب. تساءل آخر قائلا ماذا لو فجرت إسرائيل جبل الجليد قبل أن يصل. فكان جواب الأمير: ليتهم يفعلون ذلك. سيوفرون علينا تكاليف تقطيع الجبل الجليدي. الذي لفت نظري أنه قال: توقعنا ذلك واخذناه في الحسبان.
الجدل الأكثر إثارة كان عن تأثير جبل الجليد بيئيا على الكائنات البحرية وهو في طريقه الى المملكة. كانت معظم المداخلات تدور في فلك التأثيرات البيئية السلبية التي ستتعرض لها مناطق عبور جبل الجليد. وأذكر جيدا أن رد الأمير كان جاهزا، وأضاف سيمر من بحار دول صديقة.
انتهت المحاضرة. صفق الجميع وقوفا على الأقدام، وكنت منهم. وقفت أصفق إعجابا بمحاضرة الأمير، وأيضا لنفسي على الحضور. اختفى الأمير عن ناظري. غابت كل المشاهد الأخرى عن ذاكرتي. كأن معلومات المحاضرة استولت على مساحة ذهني وتفكيري حتى أنها غيبت كل المشاهد التي عشتها بعد المحاضرة حتى عودتي للكلية.
استمريت أياما أفكر في المحاضرة، وأحلم برؤية جبال الجليد. فأطلقت العنان لنفسي في تخيلات وأحلام حتى رسخت المحاضرة وخيمت في ذاكرتي ونفسي. بهذا أصبحت شاهدا على الآمال العظيمة لمسؤولينا لحل مشكلة ندرة المياه. انتقل الاهتمام وتحول من جبال الجليد الى أعذبة مياه البحر «التحلية» كخيار استراتيجي.
الهمّة لا تموت مع أصحابها لكن يرثها أخرون. وقد ورثتها شخصيا، ثم وظفتها لصالح استدامة المياه الجوفية. ويستمر الحديث.


